بقلم/ سيداتي بيدا
في كل الدول التي تحترم منظومتها الاجتماعية، يُعتبر الحق الصحي للأجير ركيزة أساسية لا يمكن التراجع عنها، لأنه يمثل صمام الأمان الأول أمام الأمراض المهنية، وضغط العمل، وتكاليف العلاج المتزايدة. لكن المفارقة الصادمة التي نعيشها اليوم هي أن هذا الحق لم يعد يُمارس كما يجب، بل أصبح يتعرض لعملية تفريغ هادئة ومنهجية، وكأن هناك من يريد لهذا المكتسب أن يتحول تدريجيًا إلى مجرد عنوان بلا مضمون.
تعويضات في اتجاه واحد… وأسعار في اتجاه آخر
ارتفعت تكاليف العلاج بشكل مهول:
الاستشارات الطبية، التحاليل، الأدوية، الفحوصات… كلها تضاعفت أسعارها.
وفي المقابل، بقيت التعويضات الصحية ثابتة، وكأن الزمن توقف عند مرحلة قديمة لا علاقة لها بالواقع الحالي. كيف يمكن لأجير يؤدي 400 أو 500 درهم للاستشارة الطبية أن يسترجع نفس المبلغ الذي كان يُسترجع حين كانت الاستشارة لا تتجاوز 150 أو 200 درهم؟
أي منطق يُبرّر هذا الجمود؟
وأي “حماية اجتماعية” يمكنها أن تصمت أمام هذا الانهيار دون أن تتحرك؟
من حماية صحية إلى “مساطر استنزافية”
لا يتوقف الأمر عند ضعف التعويضات، بل تمتد المعاناة إلى المساطر الطويلة التي تستنزف جهد الأجير ووقته وماله، حتى يصبح التعويض نفسه عديم الجدوى.
فقد يضطر البعض إلى التنقل بين المدن، فقط لجمع الوثائق، ووضع الملفات، وتتبع المسار الإداري المعقد.
وفي نهاية المطاف، يحصل على تعويض لا يغطي حتى تكلفة الطريق.
هل الهدف هو تمكين الأجير من حقه؟ أم دفعه بطريقة غير مباشرة إلى التخلي عن المطالبة به؟
السؤال مطروح… والإجابة يعرفها كل من خاض هذه التجربة.
اقتطاعات شهرية… مقابل استفادة شبه منعدمة
الأجير يؤدي كل شهر اقتطاعات تُقدَّم له على أنها ضمان اجتماعي يحميه عند المرض، لكن ما الذي يحصل فعليًا؟
تعويضات هزيلة، مساطر مرهقة، واسترجاع لا يرتبط بأي منطق أو عدالة أو توازن.
فأين تذهب هذه الأموال؟
ومن يستفيد فعلاً من هذه العملية الكبيرة التي تُقدَّم تحت لافتة “الحماية الصحية”؟
لا أحد يطالب بمعجزات، لكن الحد الأدنى من العدالة يفرض أن يكون حجم الاسترجاع متناسبًا مع حجم الاقتطاعات، ومع واقع الأسعار الذي يعرفه الجميع.
الأجير… الحلقة الأضعف دائمًا
في كل هذا المشهد، يبقى الأجير هو الحلقة الأضعف.
يُطالب بالإنتاج، يُحمل المسؤوليات، يؤدي الضرائب والاقتطاعات، لكنه عندما يمرض، يجد نفسه أمام نظام لا ينصفه، بل يعيد إنتاج هشاشته.
كيف يعقل أن يتوقف حق اجتماعي عن التطور في زمن تتطور فيه كل تكاليف الحياة؟
وكيف يمكن لمنظومة اجتماعية أن تسمح بتآكل حق صحي بهذه الأهمية دون مراجعة أو إصلاح؟
الحقوق لا تُسلب بالقوة… بل بالصمت
ما يحدث اليوم ليس نتيجة قرار واحد، بل نتيجة تراكمات، وصمت طويل، وتطبيع مع وضع غير طبيعي.
فالحقوق لا تضيع دفعة واحدة، بل تُنتزع تدريجيًا، وقطرة بعد قطرة، حتى يستيقظ الأجير ليجد أن ما كان يسمى “حقًا مكتسبًا” لم يعد أكثر من ذكرى.
الأخطر من ذلك هو تلك الثقافة التي تحاول تسويق كل تراجع على أنه “إنجاز”، أو كل نقص على أنه “مؤقت”، بينما الواقع يصرخ بالعكس.
الخلاصة: إصلاح عاجل قبل الانهيار
إن استمرار هذا التراجع يهدد جوهر الحماية الاجتماعية، ويفرغها من محتواها الحقيقي.
وإن لم يُفتح نقاش جدي ومسؤول حول إعادة تقييم نسب التعويض، وتبسيط المساطر، وضمان عدالة الاسترجاع، فإن الأجير سيجد نفسه مستقبلًا بلا حماية، وبلا سند، وبلا أمل في أن يستفيد من حق صحي كان من المفترض أن يكون مقدسًا.
إنها لحظة مفصلية…
إما أن نستعيد هذا الحق، أو نودّع ما تبقى منه بصمت.






