بقلم: سيداتي بيدا
في جنوب غرب إسبانيا، حيث تمتد حقول الفراولة كبحرٍ من الحُمرة، لا تنمو الثمار على الأرض وحدها، بل على عرق ودموع نساءٍ مغربياتٍ يُدفعن إلى أقصى حدود الاحتمال.
تلك الحقول التي تدرّ ذهبًا لإسبانيا، تُسقى بدماء فقرٍ وأنينٍ لا يسمعه أحد.
منذ عام 2007، بدأت رحلة ما سُمّي بـ”الهجرة الدائرية” بين المغرب وإسبانيا. اسمٌ أنيق لواقعٍ قاسٍ. آلاف المغربيات يعبرن البحر كل موسمٍ لجني الفواكه الحمراء، يحملن في صدورهن أملاً ضئيلاً وكرامةً مثقلة بالجراح. لكن ما إن يصلن إلى ويلبا حتى يصطدمن بحقيقةٍ مُرة: استغلالٌ بشع، ظروف عملٍ مهينة، وحقوقٌ تُدفن تحت تراب الحقول.
النساء هناك لا يُنتقين للعمل بمهارتهن، بل بمعاناتهن. يشترط البرنامج أن تكون العاملة مطلقة أو أرملة أو متزوجة ولديها أطفال صغار، كأنّ الألم صار معيارًا للتشغيل! هؤلاء النسوة لا يهاجرن طمعًا في الثراء، بل هربًا من الفقر، من الخذلان، من واقعٍ قاسٍ في وطنٍ لم يحتضنهنّ.
يأتين بأجسادٍ منهكة وقلوبٍ مفعمة بالأمل… فيجدن أنفسهن وسط جحيمٍ من الانتهاكات: استغلال جنسي، عنف، إهمال، وتهديدٍ بالصمت.
ويلبا اليوم ليست مجرد مدينة إسبانية؛ إنها محرقة كرامةٍ مغربية تُدار بصمت رسميٍ مريب.
فأين الدولة المغربية من بناتها اللواتي يُستعبدْن تحت راية “التعاون الدولي”؟
وأين ضمير الحكومة الإسبانية التي تغضّ الطرف عن ممارساتٍ لا تقلّ فظاعة عن الرقّ الحديث؟
آن الأوان ليتوقف هذا العبث.
آن الأوان أن تُفتح الملفات، أن تُحاسب الشركات، أن يُحمى الضعيف بالقانون لا بالتصريحات الإعلامية.
كرامة المرأة المغربية ليست موسماً زراعياً يُستغلّ فيه عرقها ثم تُعاد إلى وطنها مثقلةً بالأوجاع. إنها قضية سيادة وإنسانية، لا تقبل المساومة ولا التبرير.
ويلبا اليوم تصرخ باسم كل امرأةٍ تُهان في صمت.
صرخةٌ تقول: كفى!
كفى استغلالًا للفقر، كفى تسويفًا للكرامة، كفى صمتًا على الجريمة.
إن كنتم تفتخرون بالفراولة الإسبانية، فتذكروا أن لونها الأحمر ليس من الشمس فقط، بل من دموع نساءٍ مغربياتٍ يزرعن الحياة بيدٍ… ويُسحقن بالأخرى.
ويلبا ستبقى وصمة عارٍ على جبين من يزرع الاستغلال ويقطف الصمت.







