بقلم: سيداتي بيدا
في زمن تتقاطع فيه العتمة مع الصمت، وتتعالى فيه شكاوى الأطفال من خلف جدران الخوف، جاء الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالجديدة ليشكّل صفعة قوية في وجه كل من يستهين ببراءة القاصرين. تسعون سنة سجناً نافذاً قُسمت على ستة متهمين، خمسةَ عشرَ عاماً لكل واحد منهم، في قضية اغتصاب الطفل البشير خلال فعاليات “موسم مولاي عبد الله أمغار”؛ حكم وإن بدا قاسياً في الظاهر، فإنه لا يرقى أمام فداحة الجريمة التي ارتُكبت في حق طفل لا يملك سوى دموعه وصراخه المبحوح.
ما حدث للبشير ليس حادثة عابرة، ولا خطأ فردياً عابراً، بل جريمة مكتملة الأركان، يهتز لها الضمير الإنساني قبل أن تهتز لها قاعات المحاكم. والجريمة في حق قاصر ليست مجرد انتهاك جسدي؛ إنها تدمير لنفسية لم تتشكل بعد، ووصمة تطارد الضحية مدى الحياة. وهنا يتدخل القانون المغربي بصرامة، ليس فقط لمعاقبة الجناة، بل لردع كل من تسوّل له نفسه العبث بأطفال هذا الوطن.
وينص الفصل 486 من القانون الجنائي المغربي على معاقبة الاغتصاب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، ويرتفع الحكم إلى عشرٍ إلى عشرين سنة إذا كان الضحية قاصراً أو في وضعية هشّة. أما الفصل 488 فيشدد العقوبة أكثر إذا ارتكب الفعل جماعياً أو باستعمال العنف، لتصل إلى عشرين سنة سجناً نافذاً. وعلى الرغم من أن الأحكام تختلف حسب ظروف الملف ومعطيات التحقيق، فإن القاعدة ثابتة: الاعتداء على قاصر جريمة مشددة دون نقاش.
الحكم الصادر في قضية البشير يحمل رسالة حازمة: أن المجتمع لن يعود إلى الوراء، وأن السكوت لم يعد خياراً ممكناً. فكل طفل مغربي هو أمانة في عنق الدولة والمجتمع، وأي محاولة للمساس بسلامته يجب أن تواجه بلا هوادة.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط أحكاماً قاسية، بل ثورة قيمية تُعيد الاعتبار لحقوق الطفل، وتُغلّظ إجراءات المراقبة والحماية، وتمنح الجمعيات والهيئات الحقوقية القدرة على التحرك المبكر قبل أن يقع ما لا يُصلح. فالقانون وحده لا يكفي إن لم يرافقه وعي مجتمعي يرفض التساهل، ويجفف منابع الإهمال والتطبيع مع العنف.
البشير واحد… لكن آلاف الأطفال في هذا الوطن يحتاجون إلى عدالة لا تنام، وإلى مجتمع لا يساوم في براءتهم. لقد قال القضاء كلمته، وبقي علينا نحن أن نقول كلمتنا بوضوح: لا مكان لمغتصب طفولة بيننا، ولا تسامح مع من يحوّل الفرح موسماً للألم.







