بقلم: سيداتي بيدا
يُعدّ الحق في الصحة أحد الأعمدة الأساسية لأي منظومة حماية اجتماعية حديثة، وركيزة لا غنى عنها لضمان كرامة الأجير واستقراره الاجتماعي والمهني. ففي الدول التي تراهن على العدالة الاجتماعية، لا يُنظر إلى التغطية الصحية كامتياز ظرفي، بل كمكتسب ثابت يتطور بتطور حاجيات المجتمع وتكاليف العيش. غير أن الواقع الذي يعيشه الأجير اليوم يكشف عن مفارقة مقلقة، حيث أصبح هذا الحق مهددًا بالتآكل التدريجي، لا عبر قرارات صريحة، بل من خلال سياسات الجمود والصمت والتطبيع مع الاختلال.
لقد شهدت تكاليف العلاج خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق. أسعار الاستشارات الطبية، الفحوصات المخبرية، التحاليل، والأدوية، تضاعفت بشكل لافت، بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية وغلاء المعيشة. في المقابل، ظلت نسب التعويضات الصحية شبه ثابتة، وكأنها منفصلة عن الواقع المعيش. هذا التباين الصارخ يطرح تساؤلات جوهرية حول منطق الاستمرار في اعتماد تعويضات وُضعت في سياق زمني واقتصادي مختلف تمامًا عن السياق الحالي.
ولا يقتصر الخلل على ضعف التعويضات، بل يمتد إلى المساطر الإدارية المعقدة التي تحكم عملية الاسترجاع. فالأجير يجد نفسه أمام مسار طويل من الإجراءات، يتطلب تنقلًا، وجمع وثائق، وانتظارًا مرهقًا، قد ينتهي بتعويض لا يغطي حتى التكاليف الثانوية التي تكبدها خلال رحلة المطالبة بحقه. في مثل هذا السياق، يتحول الحق الصحي من آلية حماية إلى عبء يومي، ويُدفع الأجير، بشكل غير مباشر، إلى التخلي عن المطالبة به.
المفارقة الأكبر أن هذه الوضعية تتعايش مع اقتطاعات شهرية منتظمة من أجور الأجراء، تُبرَّر بكونها مساهمة في منظومة الضمان والحماية. غير أن ضعف الاستفادة الفعلية يفتح الباب أمام سؤال مشروع: أين تتجه هذه الموارد؟ وكيف يمكن تبرير الفجوة بين حجم الاقتطاعات ومستوى الخدمات والتعويضات المقدمة؟
في خضم هذا المشهد، يظل الأجير الحلقة الأضعف. فهو مطالب بالإنتاج وتحمل الضغوط المهنية، والمساهمة في تمويل المنظومة، لكنه عند المرض يصطدم بواقع لا يواكب انتظاراته ولا يحفظ كرامته. إن استمرار هذا الوضع يهدد الثقة في مفهوم الحماية الاجتماعية نفسه، ويفرغ الحق الصحي من مضمونه الإنساني والاجتماعي.
إن ما نشهده اليوم ليس تراجعًا فجائيًا، بل نتيجة تراكمات وصمت طويل، حيث تُنتزع الحقوق تدريجيًا إلى أن تفقد معناها. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى فتح نقاش وطني جاد ومسؤول حول إصلاح منظومة التعويضات الصحية، بما يشمل مراجعة نسب الاسترجاع، تبسيط المساطر، وربط السياسات الاجتماعية بالتحولات الاقتصادية الحقيقية إنها لحظة اختيار حقيقية: إما إعادة الاعتبار للحق الصحي كدعامة أساسية للعدا لة الاجتماعية, او القبول بانهياره البطئ تحت وطأة اللامبالاة.







