هيئة التحرير
لم تعد قضية قانون تنظيم مهنة المحاماة بالمغرب مجرد خلاف مهني بين أصحاب البذلة السوداء والجهات الحكومية، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا القانونية والمهنية التي استأثرت باهتمام الرأي العام وكل المتتبعين للشأن القضائي والحقوقي، بالنظر إلى ارتباطها المباشر باستقلال مهنة المحاماة، وحقوق الدفاع، وحسن سير العدالة، ومصالح المتقاضين.
ويأتي التطور الأبرز مساء الخميس 20 غشت 2026، بعدما دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ رسمياً، عقب نشر الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت الجاري بالجريدة الرسمية عدد 7536. وبذلك انتقل النص من دائرة النقاش التشريعي والاحتجاج المهني إلى مرحلة القانون النافذ الذي يفترض أن يجد طريقه إلى التطبيق.
غير أن دخول القانون حيز التنفيذ لا يعني أن الأزمة انتهت، بل يبدو أنه يضعها أمام منعطف أكثر حساسية، خصوصاً أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب كانت قد قررت، في اجتماع مكتبها يوم الثلاثاء 18 غشت، مواصلة الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية، في سياق احتجاج مستمر منذ أشهر، مع الدعوة إلى اجتماع استثنائي لمجلس الجمعية خلال شهر شتنبر المقبل.
وتزداد حساسية الوضع بالنظر إلى أن هذا التطور جاء عقب قرار المحكمة الدستورية الصادر في 10 غشت، والذي تعذر معه البت في الإحالة المتعلقة بالقانون بسبب إشكال مرتبط بالوثائق المرفقة بملف الإحالة وكيفية تقديم النص إلى المحكمة، وفق ما أوردته مصادر إعلامية نقلاً عن معطيات مرتبطة بالملف.
وبينما تؤكد الهيئات المهنية أن معركتها ترتبط بالدفاع عن استقلال مهنة المحاماة ومكتسباتها وكرامتها، فإن استمرار توقف الخدمات يطرح، في المقابل، سؤالاً بالغ الحساسية: ماذا عن مصالح المتقاضين؟
فالمواطن الذي يطرق باب المحكمة لا يعنيه فقط الجدل المؤسساتي والتشريعي، وإنما يعنيه قبل كل شيء أن يجد دفاعه في الوقت المناسب، وأن لا تضيع حقوقه بسبب آجال أو إجراءات أو ملفات لا تحتمل الانتظار. ولذلك فإن أي معالجة للأزمة ينبغي أن تستحضر المتقاضي باعتباره طرفاً أساسياً في منظومة العدالة، وليس مجرد متلقٍ ثانوي لتداعيات الخلاف.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مخرج يحفظ للمحاماة مكانتها التاريخية والدستورية والمهنية، وفي الوقت نفسه يحمي حقوق المواطنين. فليس من مصلحة أحد أن تخرج المحاماة من هذه المواجهة منهكة، وليس من مصلحة العدالة أن يجد المتقاضي نفسه في مواجهة تداعيات نزاع لا يد له فيه.
إن المطلوب اليوم ليس منطق الغالب والمغلوب، ولا البحث عن منتصر سياسي أو مهني، وإنما البحث عن تسوية مؤسساتية تحفظ ماء الوجه للجميع، وتعيد الثقة إلى قطاع العدالة.
ويمكن أن يبدأ هذا المخرج باستئناف الخدمات التي ترتبط بحقوق لا تحتمل التأجيل، خصوصاً القضايا الاستعجالية والملفات الزجرية والقضايا التي يخشى فيها من ضياع حق بسبب فوات أجل قانوني، بالتوازي مع فتح حوار جدي ومسؤول حول المقتضيات التي ما تزال تشكل مصدر اعتراض لدى الهيئات المهنية.
كما أن دخول القانون حيز التنفيذ لا يمنع، من حيث المبدأ، من استمرار النقاش المؤسساتي حول كيفية تنزيله وتقييم آثاره العملية، ولا ينبغي أن تتحول لحظة صدوره إلى نهاية الحوار. فالأنظمة القانونية تتطور، والنصوص قابلة للتقييم والمراجعة متى أظهرت الممارسة العملية وجود اختلالات أو مقتضيات تحتاج إلى إعادة نظر، وفق الآليات الدستورية والتشريعية المتاحة.
وفي الجهة المقابلة، فإن الحفاظ على استقلال المحاماة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره خروجاً عن كل أشكال التنظيم والمساءلة، كما أن تنظيم المهنة لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل يمس جوهر استقلال الدفاع. والمعادلة الصحيحة هي تلك التي تضمن استقلال المحامي، وتحمي المتقاضي، وتصون هيبة القضاء، وتكرس دولة المؤسسات.
لقد قطعت أزمة قانون المحاماة أشواطاً طويلة، من النقاش حول المشروع إلى الاحتجاجات والإضرابات، مروراً بالمراحل التشريعية وصولاً إلى نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ. وقد صادق مجلس النواب، في القراءة الثانية، على المشروع في 6 يوليوز، بأغلبية 85 نائباً مقابل 35 معارضاً، قبل أن يصل النص إلى مرحلته النهائية.
واليوم، بعد أن أصبح القانون نافذاً، يبدو أن الكرة باتت في ملعب الجميع: الحكومة مطالبة بالحوار والإنصات، والهيئات المهنية مطالبة بحماية مكتسبات المهنة دون أن يكون المتقاضي ضحية، والمؤسسات مطالبة بإيجاد مخارج قانونية مسؤولة، فيما يبقى المواطن في قلب المعادلة باعتباره صاحب الحق الأول في عدالة ناجعة ومتاحة.
إنها لحظة تحتاج إلى الحكمة أكثر من التصعيد، وإلى الحوار أكثر من القطيعة، وإلى تغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
فالمحاماة ليست مجرد مهنة، والعدالة ليست مجرد مساطر، والمتقاضي ليس رقماً في معادلة مؤسساتية.
المطلوب اليوم هو مخرج يحفظ للمحاماة استقلالها وكرامتها، ويحفظ للمواطن حقه في الدفاع والولوج إلى العدالة، ويصون للمؤسسات هيبتها… بمنطق لا غالب ولا مغلوب، ولا ضرر ولا ضرار، والرابح في النهاية هو العدالة المغربية.






