وُجد الطبيب ليعالج الإنسان ويخفف ألمه، لكن الشهادة الطبية قد تضعه أمام مسؤولية تتجاوز العلاج: تقدير مدة العجز، بما قد يترتب عنها من آثار على المريض، وعلى شخص آخر، أو مؤسسة، أو شركة تأمين.
هنا، لا تعود الشهادة مجرد ورقة تُوقَّع وتُختم. فقد تدخل ملفاً قضائياً، أو تصبح موضوع مطالبة بالتعويض، أو نزاع لا يعرف الطبيب جميع أطرافه ولا خلفياته. وهو الذي استقبل جسداً متألماً، يجد نفسه مطالباً بتقدير أيام قد يتغير بها مسار قضية كاملة.
المشكلة ليست في الشهادة الطبية نفسها، فهي وسيلة لتوثيق الضرر وحفظ الحقوق، وإنما في تحميل الطبيب وحده مسؤولية المعاينة والعلاج وتقدير العجز، وسط ضغط المستعجلات وإلحاح المريض، وأحياناً تدخل الأقارب أو الوسطاء.
وبين من يقول: زيدني شي نهارات ، أو مغادي ندير بها والو بغايت غير نحمي راسي ومن يريد شهادة قبل أن يريد علاجاً، قد يجد الطبيب نفسه أمام امتحان لا علاقة له بما تعلمه عن تخفيف الألم!
لذلك، أرى أن الوقت قد حان لتنظيم هذا المجال، والتمييز بين شهادة المعاينة الأولية التي تصف الإصابات والنتائج السريرية والعلاج المقدم، وبين تقرير تقدير مدة العجز الذي يحتاج، في الحالات المتنازع عليها أو ذات الآثار المهمة، إلى مراجعة طبية مستقلة.
على طبيب المستعجلات أن يوثق ما عاينه بدقة: موضع الإصابة، طبيعتها، الفحوص المنجزة والتدابير العلاجية، وأن يميز بين ما شاهده بنفسه وما رواه المريض. أما تقدير العجز، فأقترح أن يخضع في هذه الحالات للجنة طبية، يترأسها مدير المستشفى أو المصحة الخاصة ،تستند إلى المعاينة والوثائق والتطور السريري، بعيداً عن المجاملة أو الضغط.
وأقترح أيضاً إرفاق طلب التقارير الموجهة إلى النزاعات بمحضر الشرطة أو الدرك، حتى يتحصن من المنازعات والحوادث الوهمية ، متى كان متوفراً، أو ما يثبت ذلك ، لتوضيح سياق الملف. لكن غياب المحضر ينبغي ألا يحرم المصاب من العلاج أو من توثيق إصاباته؛ فالمحضر يوضح ظروف الواقعة، ولا يحل محل الفحص الطبي.
ويمكن للمستشفى أو المصحة إحداث مسار واضح لمراجعة هذه التقارير، تحت مسؤولية إدارة المؤسسة، مع إبقاء التقدير الطبي للأطباء المختصين. فلا يصح أن تمنح المؤسسة اسمها وختمها للوثيقة، ثم تترك الطبيب وحده أمام تبعاتها.
هذه المراجعة تحمي المريض من التقليل من ضرره، وتحمي الأطراف الأخرى من المبالغة، وتحمي الطبيب من الإغراء والابتزاز والشبهات. وهي لا تفترض سوء النية في الجميع، بل تجعل النزاهة ممارسة مؤسساتية، بدل أن تظل معركة فردية.
نريد شهادة تحفظ الحقوق، وطبيباً يكتب ما عاينه، ومؤسسة تتحمل مسؤوليتها.
فالختم الطبي ليس عدّاداً للأيام، وضمير الطبيب لا ينبغي أن يبقى وحده في مواجهة الجميع
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






