بقلم : حاطب عبد الكريم
_شوارع تحتضنهم ومؤسسات تغيب عنهم من ينقذ المختلين عقليا من التشرد والتهميش ؟_
عادت ظاهرة المختلين عقليًا والمتشردين إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما أضحت مشاهد تجولهم في الشوارع والأحياء والأسواق تثير قلق المواطنين وتطرح أسئلة ملحة حول مدى نجاعة السياسات الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة، وحول مسؤولية المؤسسات المعنية في توفير الرعاية والحماية لهذه الشريحة من المجتمع.
ومن حيث المبدأ، يكاد يجمع مختلف المتدخلين والمهتمين بالشأن العام على أن الدولة المغربية، بما راكمته من خبرات وإصلاحات اجتماعية ومؤسساتية، قادرة على إيجاد حلول عملية وإنسانية لهذه الظاهرة، عبر إحداث وتوسيع شبكة مؤسسات الرعاية الاجتماعية ومراكز الإيواء والتكفل النفسي والصحي داخل مختلف الأقاليم والعمالات، بما يضمن لهذه الفئة ظروفًا تحفظ كرامتها وتصون حقوقها الأساسية.
فالأمر لا يتعلق بأشخاص خارج دائرة الاهتمام، بل بمواطنين مغاربة كفل لهم دستور المملكة الحق في الكرامة والحماية والرعاية الاجتماعية، وجعل من صون حقوق الإنسان أحد المرتكزات الأساسية للدولة الحديثة. ومن ثم فإن توفير فضاءات لائقة للتكفل بالمختلين عقليًا والمتشردين لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره عبئًا اجتماعيًا، بل واجبًا إنسانيًا ودستوريًا يعكس مستوى التحضر والتضامن داخل المجتمع.
كما أن مجالس الجهات والجماعات الترابية مدعوة إلى الانخراط بقوة في هذا الورش الاجتماعي، من خلال المساهمة في تمويل وإحداث مراكز متخصصة للرعاية والإيواء والتأهيل، في إطار شراكات مع القطاعات الحكومية والمؤسسات الصحية والاجتماعية، بما يضمن معالجة الظاهرة وفق مقاربة شمولية ومستدامة.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة في ظل ما يقدمه المغرب من صورة إيجابية على المستوى الدولي باعتباره بلدًا ينخرط في إصلاحات اجتماعية متواصلة، ويتبنى مقاربات إدماجية جعلت منه نموذجًا يحظى بالإشادة في العديد من الملتقيات والمحافل الدولية. غير أن تعزيز هذه الصورة يظل رهينًا بمدى قدرة السياسات العمومية على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة واحتياجًا داخل المجتمع.
إن الأمن الحقيقي لا يقتصر فقط على حماية المواطنين من الجريمة والمخاطر المختلفة، بل يمتد أيضًا إلى ضمان أمنهم الاجتماعي والإنساني، كما يشمل حماية الفئات الهشة من الضياع والتشرد والإهمال. فالمختلون عقليًا والمتشردون ليسوا هامشًا معزولًا عن المجتمع، بل جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، ومن حقهم أن يحظوا بالرعاية والاحتضان والكرامة التي يكفلها لهم الدستور وتفرضها قيم التضامن والعدالة الاجتماعية.
ويبقى الرهان اليوم هو الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى بناء سياسة عمومية مستدامة تجعل من التكفل بهذه الفئة أولوية اجتماعية وإنسانية، بما ينسجم مع طموحات الدولة الاجتماعية التي جعلها المغرب خيارًا استراتيجيًا لمستقبله التنموي.






