بقلم: حاطب عبد الكريم
قد يُغتفر الغياب عن مناسبة بروتوكولية، وقد يُبرَّر التأخر عن اجتماع إداري، لكن يصعب تبرير الغياب عندما يتعلق الأمر بالاحتفاء بالعلم، وبنموذج إنساني استثنائي جسّد أسمى معاني الإرادة والتحدي. فمثل هذه اللحظات ليست مناسبات عابرة، بل محطات تربوية ووطنية تُقاس بها حقيقة الإيمان بقيمة الإنسان، وتُختبر فيها مصداقية الخطاب المؤسساتي حول تشجيع التميز.
لقد شكل حفل تكريم التلميذة الكفيفة ملاك أباعوص بمدينة بوزنيقة، بعد نيلها شهادة البكالوريا بميزة حسن جدًا، درسًا بليغًا في معنى الإصرار، ورسالة مشرقة تؤكد أن الإرادة أقوى من كل الإكراهات. غير أن هذا المشهد المضيء كشف، في المقابل، عن غياب مؤسسات كان من المفترض أن تكون في مقدمة الحاضرين، إيمانًا منها بأن تكريم المتفوقين ليس مجاملة اجتماعية، وإنما واجب تربوي ووطني وأخلاقي.
فالرسالة العلمية والتربوية رسالة نبيلة، لا تستقيم بالبلاغات الرسمية وحدها، ولا بالصور التذكارية التي تلتقط في المناسبات، وإنما تُقاس بمدى الحضور إلى جانب المبدعين والمتفوقين، وبالقدرة على تحويل الاعتراف بالكفاءة إلى ثقافة مؤسساتية راسخة. أما الاكتفاء برفع شعارات من قبيل “تشجيع التميز” و”تكافؤ الفرص” و”الاستثمار في الرأسمال البشري”، دون تجسيدها في الواقع، فإنه يفرغها من مضمونها ويجعلها مجرد عبارات للاستهلاك المناسباتي.
لقد أثبت المجتمع المدني، من خلال هذه المبادرة، أن الإيمان بالإنسان لا يحتاج إلى إمكانيات ضخمة، وإنما إلى وعي بالمسؤولية وقناعة بأن كل متفوق يستحق أن يشعر بأن وطنه ومؤسساته يقدران اجتهاده. وفي المقابل، فإن غياب بعض الجهات، كما أكده منظمو الحفل، يطرح أسئلة مشروعة حول ترتيب الأولويات، وحول مدى الانسجام بين الخطاب والممارسة.
إن تكريم ملاك أباعوص لم يكن احتفاء بشخصها فقط، بل كان احتفاءً بقيمة العلم، وبحق ذوي الإعاقة في أن يكونوا في صدارة نماذج النجاح، وبقدرة المدرسة المغربية على صناعة الأمل رغم التحديات. ولذلك فإن أي تقصير في مواكبة مثل هذه المبادرات لا ينبغي النظر إليه باعتباره تفصيلًا عابرًا، لأن أثره المعنوي يمتد إلى آلاف التلاميذ الذين ينتظرون من مؤسساتهم رسالة تشجيع قبل أي شيء آخر.
فالمجتمعات المتقدمة لا تقيس نجاحها بعدد المباني والمنشآت فحسب، بل بمدى احترامها للعلم، وتقديرها للعلماء والمتفوقين، واستثمارها في الإنسان باعتباره الثروة التي لا تنضب. ومن هنا، فإن كل مؤسسة تتبنى رسالة التربية والتكوين مطالبة بأن تجعل من مواكبة المتميزين خيارًا استراتيجيًا، لا نشاطًا ثانويًا يخضع لفائض الوقت أو الحسابات البروتوكولية.
إن الرهان الحقيقي ليس في تنظيم الاحتفالات، بل في ترسيخ ثقافة الاعتراف بالكفاءة، لأن الأمم التي تُكرم أبناءها المتفوقين تصنع مستقبلها بثقة، أما التي تتعامل مع نجاحاتهم ببرود أو لامبالاة، فإنها تخاطر بإضعاف قيم الاجتهاد والعطاء.
وفي الختام، فإن قصة ملاك أباعوص ستظل مصدر فخر وإلهام، لأنها انتصرت بالعلم على الإعاقة، وبالعزيمة على الصعاب. أما الرسالة التي ينبغي أن تستوعبها كل المؤسسات، فهي أن التربية والتعليم كانتا، وستظلان، من أنبل الرسالات، وأن الاستثمار في الإنسان ليس شعارًا يردد، بل مسؤولية وطنية تُترجم بالحضور، والدعم، والتشجيع، وصناعة القدوة. فالأوطان لا تُبنى إلا بالعلم والمعرفة، ولا ينهض مستقبلها إلا بسواعد وعقول أبنائها.






