بقلم حاطب عبد الكريم
مرة أخرى تعود مدينة الجديدة إلى واجهة المشهد البيئي من بوابة أزمة النظافة، في صورة تعكس اختلالا واضحا في تدبير قطاع يعد من أبسط حقوق المواطنين وأكثرها ارتباطاً بالصحة العامة والكرامة الإنسانية. فبينما تتحدث الجهات المعنية عن برامج لتحسين جودة الخدمات، تكشف أحياء المدينة، وفي مقدمتها حي الحاج الشاوي، واقعاً مغايراً عنوانه الأزبال المتراكمة، والروائح الكريهة، والكلاب الضالة التي أصبحت تعبث بالنفايات في مشاهد يومية تسيء إلى صورة المدينة وساكنتها.

إن جولة قصيرة داخل الحي كافية للوقوف على حجم التراجع الذي يعرفه قطاع النظافة، حيث تنتشر النفايات في الأزقة والزوايا وعلى جنبات الجدران، في مشهد يبعث على القلق والاستياء، ويطرح سؤالاً جوهرياً: أين هي فرق النظافة المكلفة بهذه الأحياء؟ وأين المسؤولون عن مراقبة أدائها وتتبع تنفيذ التزاماتها؟
وتؤكد إفادات عدد من السكان أن حضور أعوان النظافة أصبح شبه منعدم، رغم أن هؤلاء العمال يتقاضون أجورهم ويستفيدون من مختلف الحقوق الاجتماعية المخولة لهم. فالأمرهنا لا يتعلق بتقصير فردي، بل يثير تساؤلات حول آليات المراقبة والتتبع، وحول مدى احترام دفاتر التحملات، وما إذا كانت هناك اختلالات تستوجب التدقيق والمساءلة.

وفي مقابل هذا الغياب المثير للاستغراب، يسجل المواطنون حضور بعض العمال من جنسيات إفريقية الذين يباشرون عمليات الكنس بجدية وانضباط، ويعيدون بين الفينة والأخرى الاعتبار لنظافة بعض الأزقة، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في صعوبة العمل، وإنما في غياب الرقابة الصارمة وربط المسؤولية بالمحاسبة _الكابران والعمال_ .
وتتجه أصابع التساؤل كذلك نحو المسؤول المباشر عن فرق النظافة، المعروف لدى العمال بـ”الكابران”، باعتباره الحلقة المكلفة بالإشراف اليومي على سير العمل، والتأكد من التزام العمال بمهامهم. فهل يقوم بدوره كاملاً في المراقبة والتتبع؟ أم أن هناك اختلالات في التدبير تستدعي فتح تحقيق إداري لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات عند الاقتضاء؟
كما تفرض هذه الوضعية على المجلس الجماعي والسلطات المحلية، كل من موقع اختصاصه، ممارسة أدوارهما الرقابية والتدبيرية بكل حزم، حمايةً للمال العام وصوناً لحق المواطنين في بيئة سليمة، خصوصاً إذا كانت الخدمة المؤدى عنها لا تعكس مستوى الاعتمادات المرصودة لها.
إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على رفع الأزبال من الشوارع، بل أصبح رهاناً على إعمال مبادئ الحكامة الجيدة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم التساهل مع أي تقصير محتمل في أداء المرفق العام. فكل عامل يتغيب عن أداء واجبه، وكل مسؤول يتقاعس عن المراقبة، وكل جهة تتهاون في فرض الانضباط، تساهم بشكل أو بآخر في تكريس هذا التدهور البيئي.
لقد آن الأوان لفتح افتحاص ميداني دقيق لقطاع النظافة بمدينة الجديدة، والوقوف على حقيقة توزيع العمال ومامدى انضباطهم في أداء مهامهم . وآليات المراقبة، ومدى تنفيذ دفاتر التحملات، وترتيب المسؤوليات وفق ما يقتضيه القانون، حتى لا تبقى الأحياء رهينة الفوضى ولا يشعر المواطن بأن من يؤدي الثمن دائماً هو الساكنة وحدها.
فمدينة الجديدة بما تزخر به من تاريخ ومؤهلات سياحية واقتصادية، تستحق تدبيراً يرقى إلى تطلعات سكانها، لا أن تتحول بعض أحيائها إلى عنوان للإهمال ومصدر دائم للشكاوى، في انتظار أن يتحمل كل مسؤول مسؤوليته كاملة، لأن حماية البيئة الحضرية ليست امتيازا، بل واجب قانوني وأخلاقي لا يقبل التهاون.
ليظل السؤال المطروح أين تم تهريب عمال النظافة ؟
ثم من يقف ويستفيد من هذا الوضع البيئي الذي أضحى نقطة سوداء بمدينة لها مكانتها ؟






