بقلم أبو ياسر
لم يعد ممكنا اختزال ما وقع بباب سبتة في مجرد محاولات هجرة جماعية عابرة، أو التعامل معه كحادث موسمي سرعان ما يطويه النسيان. فحين يختار آلاف الشباب المجازفة بمستقبلهم على أبواب الحدود، فإن الأمر يتحول إلى رسالة سياسية واجتماعية صاخبة، وإلى إنذار حقيقي يفرض مراجعة عميقة لأولويات السياسات العمومية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الاحتجاج في حد ذاته، بل فقدان فئات من شبابها الثقة في أن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن. فالهجرة، في كثير من الحالات، ليست بحثاً عن الرفاهية بقدر ما هي هروب من الإحباط، ومن الإحساس بانسداد الأفق، ومن شعور متزايد بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أصبحت مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
اليوم، لم يعد السؤال: لماذا يتجه الشباب نحو الهجرة؟ بل أصبح: ماذا فعلت السياسات العمومية لتمنحهم سبباً حقيقياً للبقاء؟
فالجبهة الداخلية لا تُحصَّن بالخطب ولا بالشعارات، وإنما تُحصَّن بالشغل الكريم، والتعليم الجيد، والصحة اللائقة، والعدالة الاجتماعية، وباقتصاد يوزع ثمار النمو بصورة أكثر إنصافاً. أما عندما تتسع الفوارق الاجتماعية، وتتآكل القدرة الشرائية، وتتفاقم البطالة، ويزداد شعور المواطنين بعدم تكافؤ الفرص، فإن أي حديث عن التنمية يفقد جزءاً من تأثيره لدى الرأي العام.
إن المغرب يمتلك من المؤهلات الفلاحية والبحرية والصناعية والسياحية والبشرية ما يجعله قادراً على بناء نموذج اقتصادي أكثر عدالة، لكن التحدي الحقيقي يظل في مدى انعكاس هذه الإمكانات على الحياة اليومية للمواطن، وفي قدرته على الشعور بأن ثمار التنمية تصل إلى جميع الفئات، وليس إلى دوائر محدودة فقط.
إن ما وقع بباب سبتة يفرض تقييماً شجاعاً للسياسات الاجتماعية والاقتصادية، بعيداً عن لغة التبرير أو الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الظروف الخارجية. فالدولة القوية هي التي تملك شجاعة المراجعة، وتصحح اختلالاتها قبل أن تتحول إلى أزمات أعمق.
لقد جعل دستور المملكة الكرامة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص من الثوابت التي ينبغي أن تؤطر العمل العمومي. ولذلك، فإن حماية الجبهة الداخلية تبدأ من صون هذه الحقوق، ومن إعادة الاعتبار للإنسان باعتباره أساس كل مشروع تنموي.
إن الرسالة التي حملها مشهد باب سبتة واضحة: لا أحد يمكنه أن يطلب من الشباب التشبث بالأمل دون أن يوفر له مقوماته. ولا يمكن لأي مجتمع أن يربح معركة التنمية إذا خسر معركة الثقة.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يبقى السؤال معلقاً أمام كل الفاعلين في تدبير الشأن العام: هل آن أوان مراجعة الأولويات، حتى تصبح كرامة المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية، أم أن مؤشرات التنمية ستظل أرقاماً جميلة لا تجد طريقها إلى بيوت المغاربة؟






