عن هيئة التحرير
بدأت التسخينات الانتخابية مبكراً، وبدأ معها موسم جديد من الخطابات التي تحاول استمالة المواطن عبر بوابة معاناته اليومية من غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، البطالة، هشاشة الدخل، وأوضاع اجتماعية لم تعد تحتاج إلى خطب السياسيين لإثباتها، لأن المواطن يعيشها كل يوم، ويدفع ثمنها من قوته وقوت أبنائه.
لكن المفارقة التي تثير السخرية، بل وتستفز المواطن، أن بعض الأصوات التي بدأت اليوم تتحدث بحرارة عن القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الغلاء هي نفسها أصوات تنتمي إلى المشهد الحكومي أو السياسي الذي كان مطالباً، بالأمس وليس غداً، بتحويل هذه القضايا إلى أولويات فعلية في السياسات العمومية.فهل احتاج الأمر إلى اقتراب الانتخابات حتى يتم اكتشاف معاناة المغاربة؟ هل كانت الأسعار تنتظر موعد الاستحقاقات التشريعية حتى تصبح قضية سياسية؟ وهل كانت صيحات المواطنين، وشكايات الأسر، وأنين الطبقة المتوسطة، ومعاناة الفئات الهشة، مجرد ضجيج لم يكن يستحق الالتفات إليه عندما كانت الحكومة في موقع القرار؟
المشكلة ليست في أن يتحدث السياسي عن المواطن، وإنما في أن يتذكر المواطن فقط عندما يحتاج إلى صوته. وهنا تكمن خطورة الخطاب المزدوج. فالمواطن المغربي لم يعد مستعداً لتلقي دروس جديدة في الوطنية ولا وعوداً اجتماعية مغلفة بلغة انتخابية براقة. لقد سمع كثيراً عن الإصلاح، وشاهد كثيراً من البرامج، وانتظر كثيراً من الوعود، لكنه يريد أن يعرف اليوم أين انعكس كل ذلك على حياته اليومية.
أين أثر السياسات الاجتماعية في القدرة الشرائية؟ أين انعكاس البرامج الحكومية على أسعار المواد الأساسية؟ أين النتائج التي يشعر بها المواطن البسيط في التعليم والصحة والتشغيل والسكن والنقل؟ وأين هي تلك الحكامة التي تجعل المواطن شريكاً في القرار، لا مجرد رقم انتخابي يُستدعى عند الحاجة ثم يُعاد إلى مقاعد الانتظار بعد إغلاق صناديق الاقتراع؟
لقد انتهى زمن الخطاب الذي يقول للمواطن ما يريد أن يسمعه.
اليوم المواطن يريد أن يسمع ما يجب أن يُقال، وأن يرى ما يجب أن يتحقق.
**ومن العبث السياسي أن يتحول المسؤول وهو في موقع القرار، إلى واعظ اجتماعي ينتقد ظواهر كان يفترض أن تكون حكومته في مقدمة المتصدين لها. فالمسؤولية السياسية لا تتجزأ، والحصيلة لا يمكن غسلها بخطاب انتخابي جديد**
ليس مقبولاً أن تتحول آلام المواطنين إلى منصة انتخابية، وأن يصبح الغلاء مادة للدعاية، وأن تتحول القدرة الشرائية إلى شعار موسمي، بينما كان المواطن يواجه وحده ارتفاع كلفة المعيشة ويبحث عن حلول لا يجدها في الخطب ولا في المهرجانات ولا في الشعارات.
إن أخطر ما يهدد الثقة في المؤسسات ليس اختلاف البرامج، بل ازدواجية الخطاب: أن تقول شيئاً حين تكون في الحكومة، ثم تقول نقيضه حين تبحث عن أصوات الناخبين. وهذا تحديداً ما يجب أن تنتبه إليه كل الأحزاب والقوى السياسية وهي تستعد للاستحقاقات المقبلة.
فالبرلمان ليس مكافأة سياسية، والحكومة ليست منصة للخطابة، والانتخابات ليست موسم تسويق للوجوه والشعارات. البرلمان والحكومة مسؤولية، والصوت الانتخابي أمانة.
ومن أراد ثقة المواطن فعليه أولاً أن يقدم حسابه أمامه: ماذا وعد؟ ماذا أنجز؟ ماذا أخفق فيه؟ ولماذا؟ وماذا سيفعل مستقبلاً بشكل مختلف؟
أما إعادة تدوير الشعارات نفسها، واستحضار الفقر والغلاء والقدرة الشرائية كلما اقترب موعد الاقتراع، فلن يقنع المواطن الذي أصبح أكثر وعياً بأن الكلمات لا تملأ سلة الأسواق، والخطب لا تؤدي فواتير الكهرباء، والشعارات لا توفر فرصة عمل، والوعود لا تعالج أزمة مستشفى أو مدرسة أو طريق.
لقد حان الوقت لأن يتوقف السياسي عن مخاطبة المواطن باعتباره صوتاً انتخابياً، وأن يبدأ مخاطبته باعتباره مواطناً له حقوق وله كرامة وله الحق في معرفة الحقيقة كاملة.
فإذا كانت الحكومة قد نجحت، فلتقدم حصيلتها بالأرقام والنتائج.
وإذا أخفقت، فلتتحمل مسؤوليتها السياسية.
وإذا كانت الأحزاب تملك البدائل، فلتقدم برامج قابلة للقياس والتنفيذ، لا شعارات انتخابية للاستهلاك. أما المواطن، فليست مهمته أن يصفق.
مهمته أن يسأل وأن يحاسب وأن يقول كلمته داخل الصندوق.
وهذه المرة، قد لا يكون السؤال:
«من قال كلاماً جميلاً؟» بل السؤال الحقيقي سيكون:
«من كان في موقع القرار عندما كان المواطن يعاني؟ وماذا فعل؟»
ذلك هو الامتحان الحقيقي، وما عداه مجرد تسخينات انتخابية.






