بقلم/ سيداتي بيدا
ليس كل فساد يبدأ بسرقة المال، فثمة فساد أكثر خطورة يبدأ بسرقة الثقة. وما أكثر المسؤولين الذين أتقنوا صناعة الوعود حتى أصبحت الكلمة عند بعضهم مجرد طُعم يُلقى للمواطن، فإذا انقضت المصلحة سقط الوعد كما تسقط أوراق الخريف، دون خجل أو مساءلة.
لقد أصبح الكذب لدى بعض المسؤولين أسلوبًا للإدارة، لا استثناءً فيها. يعدون بما يعلمون أنهم لن ينجزوه، ويطلقون التصريحات الرنانة وهم يدركون أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس. يوزعون الأمل بالكلمات، ثم يتركون الناس يواجهون الخيبة وحدهم.
المصيبة ليست في تأخر مشروع، أو تعثر قرار، أو صعوبة ظرف، فهذه أمور قد تفرضها الوقائع.
الكارثة الحقيقية هي أن يتحول التضليل إلى ثقافة، وأن يصبح التهرب من الالتزام مهارة يتفاخر بها البعض، حتى يغدو الصدق استثناءً والكذب قاعدة غير معلنة.
ترى أحدهم يتحدث عن الشفافية وهو يمارس الغموض، ويتغنى بخدمة المواطن بينما لا يخدم سوى صورته ومصالحه، ويقسم على الوفاء بالتزاماته ثم يختفي عند أول اختبار حقيقي. وحين يُسأل عن وعوده، يختبئ خلف الأعذار الجاهزة، وكأن ذاكرة الناس قد مُحيت، أو أن تكرار الكذب كفيل بتحويله إلى حقيقة.
إن المسؤول الذي لا يحترم كلمته لا يستحق احترام منصبه، لأن قيمة المسؤولية تُقاس بصدق الالتزام، لا بعدد المؤتمرات ولا بفخامة المكاتب ولا ببريق الألقاب. فالمنصب تكليف أخلاقي قبل أن يكون امتيازًا إداريًا، ومن يخن هذا التكليف يخسر شرعيته الأدبية مهما طال بقاؤه في كرسيه.
ولعل أخطر ما تتركه الوعود الزائفة ليس تعطيل المشاريع، بل اغتيال الأمل داخل المجتمع. فعندما يقتنع المواطن بأن كل وعد مجرد مسرحية مؤقتة، تتآكل الثقة في المؤسسات، وتتراجع روح المبادرة، ويحل الإحباط محل المشاركة، وهي خسائر لا تُقاس بالأرقام، بل بعمق الجرح الذي تتركه في وجدان الناس.
إن الدول لا تُبنى بالخطب المنمقة ولا بالابتسامات المصطنعة، وإنما تُبنى برجال ونساء يعتبرون الكلمة عهدًا، والوعد مسؤولية، والصدق شرفًا لا يقبل المساومة.
أما الذين يتاجرون بآمال المواطنين، فإنهم لا يخدعون الناس إلى الأبد، لأن الزمن يمتلك ذاكرة لا ترحم، والتاريخ لا يخلد أصحاب الشعارات، بل يحاسبهم على ما أنجزوه، ويضع الكاذبين في المكان الذي يستحقونه خارج ذاكرة الاحترام وداخل سجل الخيبة.






