أنباء الناس/ كريم حاطب
فتح المصب خطوة مطلوبة، لكن الرهان الحقيقي هو استعادة حيوية النهر وإنعاش الاقتصاد المحلي وضمان مستقبل الصيادين.
لا جدال في أن الأشغال الجارية لفتح مصب نهر أم الربيع بمدينة أزمور-سيدي علي تشكل خطوة تستحق الاهتمام، غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يتعلق الأمر بتدخل ظرفي لتجاوز أزمة عابرة، أم ببداية مسار جاد نحو حل جذري ومستدام ينهي معاناة المصب ويعيد للنهر حيويته ونشاطه المعهود؟
إن اختزال هذا الملف في إزالة الرمال وفتح المجرى، دون معالجة الأسباب العميقة للاختلال، لن يكون سوى تأجيل للأزمة وإعادة إنتاج لمعاناة ظلت تلقي بظلالها على البيئة والاقتصاد المحلي. فأم الربيع ليس مجرد مجرى مائي ينتهي عند المحيط، بل شريان طبيعي ترتبط به ذاكرة أزمور ومؤهلاتها الاقتصادية، ومصدر عيش لفئات من الصيادين الذين تأثر نشاطهم بالوضعية المتدهورة للمصب.
إن المطلوب اليوم ليس فتح المصب إلى حين عودة الانسداد، وإنما اعتماد تدبير استراتيجي يضمن استمرارية انفتاحه، ويعيد التوازن للمنظومة البيئية، وينعش النشاط البحري والاقتصادي المرتبط بالنهر. وهذا لن يتحقق إلا بقرارات واضحة، ودراسات علمية قابلة للتنفيذ، وبرنامج عمل مضبوط الآجال والتمويل ورؤية واضحة ومدروسة للاشتغال ، ومسؤوليات مؤسساتية محددة، بعيداً عن التدخلات الموسمية والحلول الترقيعية.
ومن هنا تبرز ضرورة الاستفادة من منطق المشاريع المندمجة في تدبير الأنهار ومصباتها، على غرار تجربة أبي رقراق، مع مراعاة الخصوصيات الطبيعية والهيدرولوجية لمصب أم الربيع، حتى لا تظل التدخلات محصورة في معالجة النتائج، بينما تبقى الأسباب الحقيقية للأزمة دون حل.
كما أن المسؤولية تقتضي الكشف عن مآل الدراسات التقنية والهندسية المرتبطة بالمصب، وتوضيح الحلول التي جرى اعتمادها أو التي ما تزال قيد الدراسة، مع إطلاع الرأي العام على الكلفة المالية والآجال المحددة وآليات الصيانة والتتبع. فساكنة أزمور، والصيادون الذين يرتبط مورد عيشهم بهذا المجال، من حقهم معرفة ما إذا كانت الأشغال الحالية جزءاً من مشروع مستدام، أم مجرد تدخل استعجالي ستفرض الضرورة تكراره مستقبلاً.
ولا ينبغي أن ينحصر الرهان في ضمان انسيابية المياه فحسب، بل يجب أن يمتد إلى معالجة مصادر التلوث، واستعادة التوازن البيئي، وحماية الثروة السمكية، وتهيئة الظروف الملائمة لانتعاش الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالنهر والمصب. فحين يستعيد أم الربيع عافيته، تستعيد أزمور جزءاً من مؤهلاتها الطبيعية والتنموية، وتُفتح أمام الصيادين والفاعلين المحليين آفاق أرحب لاستعادة نشاطهم وتحسين مداخيلهم.
إن نجاح أي تدخل عمومي لا يقاس بحجم الأشغال المنجزة أو بالصور التي توثق فتح المجرى، بل بمدى استدامة النتائج وأثرها الملموس على البيئة والإنسان والاقتصاد المحلي. ومن غير المقبول أن يظل مصب بهذا الثقل البيئي والتاريخي والاقتصادي رهين تدبير مناسباتي، تتحرك فيه الحلول كلما تفاقمت الأزمة، ثم تخفت المتابعة بمجرد انحسارها مؤقتاً.
أم الربيع يحتاج إلى قرار شجاع ورؤية متكاملة، لا إلى مزيد من الترقيع. قرار يجعل من فتح المصب بداية فعلية لإنقاذ النهر، واستعادة حيويته، وحماية ثروته السمكية، وإنعاش اقتصاد أزمور، لا مجرد محطة جديدة في مسلسل طويل من الانتظارات.
فالنهر الذي ارتبط تاريخياً بحياة المدينة ورزق أبنائها يستحق أكثر من تدخل عابر، والصيادون يستحقون أكثر من حلول مؤقتة، وأزمور-سيدي علي تستحق مشروعاً مستداماً يعيد الاعتبار لموروثها الطبيعي ويصون حق الأجيال القادمة فيه.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام الجهات المسؤولة هو: هل ستكون الأشغال الحالية نقطة انطلاق نحو حل جذري يعيد الحياة إلى أم الربيع، أم مجرد معالجة مؤقتة ستترك المدينة والصيادين في مواجهة الأزمة نفسها من جديد؟
إن الجواب لن تقدمه التصريحات، بل ستقدمه القرارات المنفذة والنتائج المستدامة على أرض الواقع.
#ولنا عودة للموضوع أثناء سير الاوراش بمصب النهر #

مصب أم الربيع بمدينة أزمور – سيدي علي . كفى من الحلول الترقيعية، فالنهر يستحق إنقاذا حقيقيا
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات





