بقلم: جلال دكير
عادت المياه لتفرض نفسها مجددًا في قلب النقاش العمومي بمدينة الجديدة، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة. فبعد أن كانت “الطرومبات” أو “العوينات” العمومية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي عنوانًا لمرحلة كانت فيها آلاف الأسر تعتمد على نقاط التزود الجماعي بالماء الصالح للشرب، بدأت المدينة اليوم تشهد تثبيت آلات عصرية لتصفية وبيع المياه في عدد من شوارعها وساحاتها، في مشهد يعيد إلى الذاكرة الفكرة نفسها، لكن بمنطق اقتصادي وتكنولوجي جديد.
هذه المحطات الحديثة، التي توفر ماءً خاضعًا لعمليات تصفية دقيقة وبأثمان تبقى في متناول فئات واسعة من المواطنين والزوار والسياح، لا تعكس فقط تطورًا في وسائل توزيع الماء، بل تطرح أيضًا أسئلة جوهرية حول السياسات العمومية المرتبطة بجودة هذه المادة الحيوية.
فإذا كانت التكنولوجيا قادرة اليوم على تحسين جودة المياه عند نقطة البيع، فلماذا لا يتم اعتماد المنهج نفسه في مراحل المعالجة المركزية بمحطات الإنتاج والسدود، حتى تصل المياه إلى جميع المواطنين بالجودة نفسها، دون أن يضطروا إلى أداء تكلفة إضافية للحصول على ماء يعتقدون أنه أكثر نقاءً؟
إن الانتشار المتزايد لهذه الآلات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد استثمار تجاري، بل هو في جانب منه مؤشر على وجود طلب اجتماعي متنامٍ على مياه ذات جودة أعلى، كما يعكس تراجعًا في ثقة جزء من المستهلكين في جودة مياه الصنبور، حتى وإن كانت تستجيب للمعايير الصحية المعمول بها. فالمواطن لا يشتري الماء المصفى عبثًا، وإنما لأنه يبحث عن جودة أفضل، أو مذاق أنقى، أو شعور أكبر بالاطمئنان.
لقد اختفت “الطرومبات” مع تعميم الربط المنزلي بالماء الصالح للشرب، وكان ذلك أحد مكاسب التنمية الحضرية. غير أن عودة الفكرة في قالب عصري تؤكد أن التحدي لم يعد مرتبطًا فقط بإيصال الماء إلى المنازل، بل أصبح مرتبطًا كذلك بجودة الخدمة، ومدى قدرة المنظومة المائية على مواكبة تطلعات المواطنين في ظل التغيرات المناخية وارتفاع نسب الملوحة في بعض المناطق وتزايد الطلب على مياه ذات جودة عالية.
إنها فرصة تستحق أن تلتقطها الجهات الوصية، وفي مقدمتها وزارة التجهيز والماء، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، لإطلاق نقاش علمي وتقني حول إمكانية تطوير منظومات المعالجة المركزية، والاستفادة من أحدث تقنيات التصفية قبل ضخ المياه إلى شبكات التوزيع، حتى يصبح الماء عالي الجودة حقًا متاحًا للجميع، لا خدمة إضافية يقتنيها من يستطيع دفع ثمنها.
فالماء ليس مجرد سلعة، بل حق دستوري وأحد أهم مقومات الأمن الصحي والاجتماعي. وكل استثمار يهدف إلى الرفع من جودته على المستوى المركزي سيظل أكثر عدالة ونجاعة من ترك المواطن يبحث بنفسه عن بدائل تؤمن له ما يفترض أن توفره الخدمة العمومية منذ البداية.






