نحن قوم نمتلك موهبة عجيبة: نشارك أحياناً في صناعة المشكلة، ثم نجلس في الصف الأول للاحتجاج على نتائجها!
نبكي على مدينة تتراجع، وتجارة تفلس، وشاب يبحث عن فرصة، وابن يفكر في الرحيل، ومواطن يبحث عن خدمة تحفظ كرامته… ثم نتصرف وكأن مستقبل المدينة شأن يخص الآخرين.
نريد مدينة نظيفة، ومجلساً جيداً، وشباباً في الواجهة، ونريد التغيير…
لكن بشرط ألا يتغير شيء!
ثم تقترب الانتخابات، وهنا تقع كرامات انتخابية يعجز العلم عن تفسيرها!
فجأة تتحسن الذاكرة: يتذكرون اسمك واسم أبيك والحومة التي تسكن فيها، ويصبح الجميع «ولد البلاد» و«خويا العزيز». حتى الهاتف الذي كان خارج التغطية سنوات يستعيد الشبكة فجأة:
سمح ليا أخويا، والله حتى كنت مشغول.
مشغول أربع سنوات ونصف…
والحمد لله جاءت الانتخابات وفكّت الكربة!
وتتحول المقاهي إلى مراكز للدراسات الاستراتيجية؛ هذا خبير في الاقتصاد، وذاك في التعمير، وثالث يعرف من سيفوز ومن سيتحالف مع من، ولو سألته عن اختصاصات المجلس قد يطلب منك ألا تغيّر الموضوع!
حتى مشاكل المدينة تدخل موسمها الذهبي: الحفرة القديمة يكتشف الجميع أنها حفرة، والحي المنسي يصبح «عزيزاً على قلوبنا»، والشاب العاطل طاقتنا الحقيقية، والمواطن الذي لم يسأل عنه أحد يصبح فجأة ثروة بشرية لا تُقدّر بثمن.
فيسأل المسكين:
واش بصح أنا مهم لهاد الدرجة؟
نعم
ولكن قد تكون الصلاحية محدودة إلى يوم الاقتراع!
ثم تبدأ الوعود: طرق وحدائق وفرص واستثمارات ونقل وثقافة ورياضة ، حتى تظن أن المدينة بعد خمس سنوات ستحتاج إلى وزارة خارجية لاستقبال الوفود القادمة لدراسة المعجزة!
لكن المواطن ليس بريئاً تماماً؛ فمنّا من يتحول إلى مناضل موسمي، ومنّا من يخاصم صديق عمره دفاعاً عن شخص قد لا يتذكر اسمه بعد إعلان النتائج.
ثم تظهر النتائج، فيتصافح من تخاصمنا من أجلهم، وربما يتحالف خصوم الأمس، ونبقى نحن نتساءل:
علاش كنا متخاصمين أصلاً؟
وينتهي العرس الانتخابي، وتُطوى اللافتات، ويعود الهاتف أحياناً إلى وضعه الطبيعي:
خارج التغطية.
ثم نبدأ جميعاً رحلة البحث عن المسؤول!
لذلك فالرسالة ليست إلى السياسي وحده ولا إلى الناخب وحده، بل إلى كل من يعتبر هذه المدينة بيته.
وإلى الشباب خصوصاً: شاركوا، ناقشوا واختلفوا، لكن لا تجعلوا أحلامكم حطباً في مواقد الآخرين، ولا تمنحوا بكارة أحلامكم السياسية قبل السؤال عن الفكرة والحصيلة والممكن.
فالانتخابات تمر، والأشخاص يتصافحون، والملصقات تُنزع… والمدينة تبقى.
وقبل أن نسأل غداً:
شكون دار فينا هاد الشي؟
لنسأل اليوم:
وأين كنا نحن عندما كان هاد الشي كيتدار؟
#وابغيت_بلادي
د. إبراهيم عروش الدريسي






