عن هيئة التحرير
في قرار حاسم صادر بتاريخ 10 غشت 2026، وضعت المحكمة الدستورية حداً لمحاولة إحالة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على وضعه الحالي، بعدما خلصت إلى تعذر البت في الإحالة، بسبب عدم استيفائها للشروط والإجراءات الدستورية والقانونية المؤطرة لممارسة الرقابة الدستورية على القوانين.
القرار، وإن كان لا يشكل حكماً في جوهر دستورية مقتضيات مشروع القانون رقم 66.23، فإنه يحمل في طياته رسالة قانونية ومؤسساتية بالغة الوضوح حتى ممارسة الرقابة على دستورية القوانين لها قواعدها وشروطها، ولا يمكن تجاوزها تحت أي مبرر.
وتعود القضية إلى إحالة تقدم بها رئيس مجلس النواب إلى المحكمة الدستورية، مرفقة بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، إلى جانب مجموعة من الوثائق المرتبطة بمشروع القانون، وذلك في سياق القراءة الثانية للمشروع.
غير أن المحكمة، وبعد اطلاعها على مختلف الوثائق والملاحظات المقدمة، توقفت عند مسألة جوهرية تتعلق بطبيعة الإحالة نفسها ومدى استيفائها للشروط التي رسمها الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.
فالفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور حددت الجهات المخول لها إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، كما أن المادة 23 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية وضعت بدورها شروطاً دقيقة لهذه الإحالة، بما يضمن أن تمارس المحكمة اختصاصها داخل الإطار الدستوري المحدد لها.
وهنا تكمن أهمية القرار؛ فالمحكمة لم تنخرط في نقاش سياسي أو مهني حول مشروع القانون، ولم تنصب نفسها طرفاً في الخلافات التي صاحبت النص، وإنما تعاملت مع الإحالة باعتبارها مسطرة دستورية لها ضوابطها، مؤكدة أن الرقابة الدستورية لا يمكن أن تقوم خارج الشروط التي حددها الدستور والقانون.
والأكثر دلالة أن المحكمة سجلت أن الجهة المحيلة اكتفت بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة البرلمانية، يتضمن مشروع القانون والوثائق المرتبطة به، دون إرفاق نسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد إخضاعه للرقابة الدستورية.
وهذه النقطة لم تكن، بالنسبة للمحكمة، مجرد مسألة شكلية عابرة، بل اعتبرتها مؤثرة في إمكانية مباشرة الرقابة الدستورية، باعتبار أن المحكمة لا يمكنها أن تبسط رقابتها إلا على النص المعروض عليها وفق الشروط والكيفيات التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي الخاص بها.
ومن ثم جاء القرار واضحاً في نتيجته: تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالتها.
وهنا ينبغي التمييز بدقة بين أمرين: المحكمة الدستورية لم تقل إن مشروع قانون المحاماة دستوري، كما أنها لم تقل إنه غير دستوري؛ وإنما قررت عدم إمكانية البت في الإحالة بصيغتها الحالية، بسبب العيوب المرتبطة بالإجراءات والوثائق اللازمة لممارسة اختصاصها.
وهو تمييز بالغ الأهمية، خصوصاً في ظل النقاش الواسع الذي رافق مشروع القانون، وفي ظل ما أثاره من مواقف متباينة داخل أوساط المحامين والمهنيين والفاعلين المؤسساتيين.
فالقرار لا يحسم الجدل حول مضامين مشروع القانون، ولا يمنح شهادة دستورية مسبقة لمقتضياته، وإنما يعيد النقاش إلى مربعه الصحيح: احترام الدستور أولاً، واحترام المساطر الدستورية ثانياً، ثم الاحتكام إلى المحكمة الدستورية وفق إحالة مستوفية لجميع شروطها.
وبهذا المعنى، فإن قرار 10 غشت 2026 يحمل بعداً مؤسساتياً يتجاوز مشروع قانون المحاماة نفسه، لأنه يذكر الجميع بأن دولة المؤسسات لا تُدار بالنوايا ولا بالانطباعات، وإنما بالنصوص والإجراءات والاختصاصات المحددة بدقة.
فإذا كان البرلمان يمارس وظيفته التشريعية، فإن المحكمة الدستورية تمارس اختصاصاً دستورياً مستقلاً، ولا يمكن أن تتحول هذه الرقابة إلى مسطرة مفتوحة تتجاوز الشروط التي حددها المشرع الدستوري والتنظيمي.
والرسالة الأقوى في القرار أن الدستور لا يفرض فقط مضموناً يجب احترامه، بل يفرض كذلك مساطر لا يجوز القفز عليها. ومن أراد أن يطرق باب المحكمة الدستورية، فعليه أولاً أن يطرق الباب بالطريقة التي حددها الدستور والقانون.
إن قرار المحكمة الدستورية بشأن مشروع القانون رقم 66.23 لا ينبغي اختزاله في عبارة “تعذر البت”، بل يتعين قراءته باعتباره تنبيهاً مؤسساتياً بالغ الدلالة إلى ضرورة التدقيق في المساطر والوثائق قبل مباشرة الإحالات الدستورية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنص يهم مهنة ذات مكانة أساسية في منظومة العدالة.
وبانتظار ما قد يستجد بشأن المشروع ومسار إحالته، يبقى الثابت أن المحكمة الدستورية قالت كلمتها في حدود اختصاصها: لا رقابة دستورية من دون إحالة مستوفية لشروطها، ولا يمكن للمحكمة أن تفصل في نص لم يقدم إليها وفق الكيفيات التي يفرضها الدستور والقانون.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات، وإنما كذلك بمدى احترامها الصارم للقواعد التي تنظم عملها. وقرار المحكمة الدستورية الأخير يعيد التذكير بهذه القاعدة بأوضح صورة: حين يكون الدستور هو المرجع، فلا أحد فوق المسطرة، ولا حتى من يطلب مراقبة دستورية القانون.






