عن هيئة التحرير
هل أخفق المشروع التنموي في استعادة ثقة المواطن؟
ليست الأزمة التي يعيشها المغرب اليوم أزمة شعارات أو خطابات سياسية، بل أزمة ثقة تتسع رقعتها مع كل ولاية حكومية، وأزمة مساءلة تتراجع فيها المحاسبة كلما ارتفع منسوب الوعود الانتخابية. فالإصلاح لا يقاس بعدد المسؤولين الذين يتداولون على المناصب، ولا بعدد البرامج التي تملأ الوثائق الرسمية، وإنما يقاس بما إذا كان المواطن قد وجد عملاً، وتعالج في مستشفى يحفظ كرامته، واستطاع أن يؤمن قوت أسرته دون أن يسحقه لهيب الأسعار.
بعد سنوات من الوعود المتكررة، لا يزال المشهد الاجتماعي يعيد إنتاج المطالب نفسها: بطالة متفاقمة، وقدرة شرائية منهكة، وخدمات صحية وتعليمية تشكو اختلالات بنيوية، وفوارق اجتماعية تتسع بين أقلية تنعم بثمار النمو وأغلبية تكافح من أجل البقاء. إنها مؤشرات تستوجب وقفة تقييم ومساءلة، لا مزيدا من الخطابات التي فقدت بريقها أمام قسوة الواقع.
إن أخطر ما يهدد الجبهة الداخلية ليس فقط الإكراهات الاقتصادية، بل تراجع ثقة المواطن في جدوى الفعل السياسي. فعندما تتكرر الوعود دون نتائج ملموسة، يصبح العزوف عن المشاركة السياسية رد فعل طبيعي لدى فئات واسعة من المجتمع، ويتحول الإحساس بعدم الإنصاف إلى سؤال يومي: أين ذهبت الالتزامات التي قُدمت للمغاربة؟
ولا يمكن تجاهل ما دق بشأنه ناقوس الخطر. مسؤولون ومؤسسات وطنية، وفي مقدمتهم والي بنك المغرب، الذي نبه إلى استمرار تحديات البطالة وضرورة تسريع وتيرة الإصلاحات. فهذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل تعكس واقع آلاف الأسر التي تواجه يوميًا صعوبة في توفير أبسط مقومات العيش الكريم.
وفي المقابل، يلاحظ الرأي العام أن هناك فئات تحسنت أوضاعها بشكل لافت وهي تتولى تدبير الشأن العام، بينما يزداد المواطن البسيط معاناة تحت وطأة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. وهذه المفارقة، سواء كانت حقيقية أو متصورة، تفرض تعزيز الشفافية وتفعيل آليات التقييم والمحاسبة بما ينسجم مع الدستور ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن المرحلة لم تعد تحتمل تسويق الأمل دون نتائج، ولا تأجيل الإصلاحات الجوهرية. فاستقرار الدول لا يبنى فقط بالمشاريع الكبرى، وإنما أيضاً بصيانة الكرامة الاجتماعية، وتقليص الفوارق، وخلق فرص الشغل، وحماية الطبقة المتوسطة، وإعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يحاسب من؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن اتساع الفجوة بين الوعود والواقع؟ إن الجواب لا يكون بتبادل الاتهامات، بل بإعمال المحاسبة على أساس النتائج، لأن استمرار هذا الوضع لن يخدم التنمية، ولن يعزز الثقة، ولن يقوي الجبهة الداخلية التي تبقى الرهان الأكبر في مواجهة مختلف التحديات.
إن المغرب يمتلك من المؤهلات والطاقات ما يؤهله لتحقيق نهضة تنموية حقيقية، غير أن ذلك يقتضي إرادة سياسية تجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وتنتقل بالإصلاح من دائرة الخطاب إلى دائرة الإنجاز، ومن منطق الوعود إلى منطق النتائج، حتى يستعيد المواطن ثقته في المؤسسات، ويشعر بأن التنمية ليست امتيازا لفئة، بل حقا لجميع المغاربة.






