بقلم :حاطب عبد الكريم
حين يلتقي عبق التاريخ بنبض الحاضر، وتتجسد أصالة المغرب في أبهى صورها، يطل موسم مولاي عبد الله أمغار من جديد، ليس باعتباره مجرد تظاهرة فلكلورية عابرة، وإنما كموعد وطني جامع، يحتفي بالإنسان والتراث والهوية، ويؤكد أن الموروث الثقافي المغربي ما يزال قادرًا على استقطاب الملايين، وصناعة الحدث، والإسهام في التنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية.
وعلى امتداد عقود، ظل هذا الموسم العريق يشكل قبلة لعشاق فن التبوريدة من مختلف جهات المملكة، ومحجًا للزوار المغاربة والأجانب الذين يجدون في فضاءاته صورة حية للمغرب الأصيل، حيث تمتزج الفروسية التقليدية بالطقوس الشعبية، وتتعانق القيم الروحية مع المظاهر الاحتفالية في لوحة حضارية تعكس عمق الهوية المغربية وتنوع روافدها.
ولأن الحفاظ على التراث لا يكتمل إلا بتطوير آليات تثمينه، فقد شهد الموسم خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية على مستوى البنيات التحتية وأساليب التنظيم والخدمات، بما جعل منه نموذجًا لتحديث التظاهرات التراثية دون التفريط في أصالتها، ورسخ مكانته كواحد من أكبر المواسم الثقافية والشعبية بالمملكة.
وفي هذا الإطار، تستعد جماعة مولاي عبد الله لاحتضان فعاليات الدورة الجديدة من موسم مولاي عبد الله أمغار، خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 14 غشت 2026، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في دورة يراهن عليها المنظمون لتكون استثنائية بكل المقاييس، من خلال رؤية متكاملة تجعل من التراث رافعة للتنمية، ومن حسن التنظيم عنوانًا للنجاح، ومن الانفتاح على التقنيات الحديثة وسيلة للارتقاء بصورة الموسم وطنيا ودوليا .
وخلال ندوة صحفية عقدت يوم الثلاثاء 21 يوليوز 2026، بحضور مسؤولي جماعة مولاي عبد الله والمنظمين وممثلي الاتحاد الإقليمي لفن التبوريدة، تم تقديم الخطوط العريضة لهذه الدورة، والكشف عن جملة من المستجدات التي تعكس حجم الرهان على إنجاح هذا الموعد الوطني الكبير.
وأكد رئيس جماعة مولاي عبد الله السيد مولاي المهدي الفاطمي ، أن الموسم يواصل مسار تطوره المتصاعد، مشيرًا إلى أن العديد من معلمي السربة تقدموا بطلب المشاركة، في مؤشر واضح على المكانة التي بات يحتلها الموسم داخل المشهد الوطني لفن التبوريدة.
وأوضح أن الجماعة عبأت استثمارات تناهز 36 مليون درهم لتأهيل البنيات التحتية، شملت تحسين شبكات الماء والكهرباء، وتهيئة فضاءات استقبال الفرسان والزوار، وتعزيز شروط الأمن والسلامة، بما يضمن تنظيمًا يرقى إلى حجم الحدث وانتظارات المرتفقين.
وأضاف أن دورة 2026 ستعرف إطلاق هوية بصرية جديدة للموسم، وإعادة تنظيم الفضاءات بما ييسر حركة التنقل، إلى جانب إعداد برنامج ثقافي وفني وتراثي غني، يعكس غنى الموروث المغربي ويعزز إشعاع هذه التظاهرة.
من جهته، أكد عبد الجبار بلحرشة، مدير شركة FILAT المنظمة للموسم، أن مختلف الجوانب التقنية واللوجستية والفنية أصبحت جاهزة، موضحا أن البرنامج سيجمع بين الأصالة والحداثة، بما يمنح الزوار تجربة ثقافية وسياحية متكاملة.
وفي ما يتعلق بمنافسات التبوريدة، أعلن سعيد غيث، رئيس الاتحاد الإقليمي لفن التبوريدة، عن اعتماد تحسينات تنظيمية مهمة، من بينها مشاركة 140 سربة على محركين، وتعزيز خدمات الإسعاف، وتطوير المرافق الخاصة بالفرسان وفق معايير السلامة والجودة.
كما تشمل مستجدات هذه الدورة تحسين مداخل الموقع، وتوسيع فضاءات الاستقبال، وتعزيز البنيات التحتية المستدامة، وإطلاق خدمات رقمية لتسهيل ولوج الزوار، مع اعتماد استراتيجية إعلامية حديثة تواكب الحدث وطنياً ودولياً.
وإذا كانت الأرقام المتوقعة تعكس حجم هذه التظاهرة، باستقبال نحو سبعة ملايين زائر، ونصب حوالي 35 ألف خيمة، ومشاركة 2300 فرس و140 سربة، فإن القيمة الحقيقية لموسم مولاي عبد الله أمغار تتجاوز الإحصاءات؛ فهو فضاء لترسيخ الهوية المغربية، وجسر يربط الأجيال بذاكرتها الجماعية، ومحرك للتنمية المحلية، ورسالة تؤكد أن المغرب قادر على صون تراثه العريق وتقديمه للعالم في أبهى صورة، حيث تلتقي الأصالة بروح العصر، ويصبح التراث رافعة للتنمية والإشعاع الحضاري.






