بقلم / سيداتي بيدا
حين تمتد الهراوة نحو صحفي يحمل كاميرا، فالمشهد لا يعود مجرد اعتداء عابر، بل يتحول إلى امتحان مكشوف لمن يخشى الحقيقة أكثر مما يخشى أي شيء آخر.
في بيرزيت، لم تكن الركلات التي استهدفت الصحفيين مجرد لحظة انفلات في الميدان؛ كانت مشهداً صادماً يكشف إلى أي حد يمكن أن يتحول الخوف من التوثيق إلى عنف مباشر ضد من يمارسون أبسط حقوقهم المهنية: أن يروا، وأن يصوروا، وأن ينقلوا ما يحدث إلى العالم.
المفارقة أن الكاميرا لا تطلق النار، ولا تقتحم البيوت، ولا تهدم الجدران. إنها فقط تنظر.
لكن يبدو أن تلك النظرة أصبحت، بالنسبة لمن يريد حجب المشهد، أكثر إزعاجاً من ألف سؤال.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
فكلما حاولت الهراوة إسكات الصحفي، كانت العدسة تقول شيئاً آخر. وكلما ارتفعت الركلة في وجه المصور، ارتفعت معها قيمة الصورة التي توثق الاعتداء. وكلما سعى المعتدي إلى إبعاد الكاميرا عن المشهد، تحولت عملية الإبعاد نفسها إلى مشهد يستحق التوثيق.
إن استهداف الصحفيين ليس اعتداءً على أفراد يرتدون سترات صحفية فقط؛ إنه محاولة لضرب الحلقة التي تصل الميدان بالرأي العام. وعندما يصبح الصحفي هدفاً لأنه يحمل كاميرا، فإن السؤال لم يعد: ماذا حدث؟ بل أصبح: لماذا يخاف المعتدي إلى هذه الدرجة من أن يراه العالم؟
ذلك أن الصورة لا تدخل غرف التحقيق وهي خائفة، ولا تحتاج إلى تصريح سياسي كي تتحدث. إنها تصل كما هي، حاملة تفاصيل اللحظة: وجهاً غاضباً، يداً مرفوعة، صحفياً يسقط، وعدسة تحاول الاستمرار رغم العنف.
وهذه هي قوة الصحافة الميدانية.
قد تستطيع القوة أن تمنع صحفياً من الاقتراب، وقد تستطيع دفعه بعيداً، وقد تحاول مصادرة المشهد للحظات، لكنها لا تستطيع بسهولة مصادرة ذاكرة الصورة بعدما خرجت إلى الفضاء العام.
الأكثر خطورة أن يتحول الاعتداء على الصحفيين إلى سلوك مألوف، وأن يصبح ضرب حامل الكاميرا مجرد هامش في أخبار الصراع. فحين يعتاد العالم على العنف ضد الصحافة، تصبح الحقيقة نفسها في خطر.
لذلك فإن حماية الصحفيين ليست قضية هامشية، ولا امتيازاً تمنحه القوة لمن تشاء؛ إنها جزء من حق المجتمع في المعرفة، وحق الصحفي في أداء مهمته دون ترهيب أو اعتداء.
في بيرزيت، يمكن أن تسقط الكاميرا للحظة، ويمكن أن يتعثر المصور، لكن الصورة التي التقطتها العدسة لا تسقط بالضرورة.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يستطيع العنف محوها:
الهراوة تضرب الجسد، لكن العدسة تضرب جدار الصمت.
وإذا كان المعتدي يراهن على الخوف،
فإن الصحفي الميداني يملك سلاحاً أكثر إزعاجاً: الاستمرار.
استمرار التصوير.
استمرار الشهادة
استمرار السؤال
واستمرار نشر الحقيقة
فالجلاد يستطيع ان يركل الكاميرا لكنه لا يستطيع ان يركل الصورة من ذاكرة العالم
وحين تصبح العدسة هدف للهراوة فاعلم ان الصورة اصابت مكان موجعا .






