بقلم : حاطب عبد الكريم
في الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل القرارات الإدارية والجماعية عنواناً لهيبة الدولة وتجسيداً لمبدأ سيادة القانون، برز بمدينة الجديدة نقاش جديد حول كيفية تنفيذ هذه القرارات ومدى احترام الضمانات القانونية المصاحبة لها، وذلك على خلفية البيان الذي أصدره الاتحاد العام للمقاولات والمهن، عبر مكتبه الإقليمي بالجديدة، والذي انتقد من خلاله قرار إغلاق محل تجاري بساحة الحنصالي، مطالباً بفتح تحقيق في مختلف الملابسات التي رافقت هذا الإجراء.

وأكد الاتحاد في بيانه، أن القرار يثير من وجهة نظره، عدداً من الإشكالات القانونية والإدارية، سواء من حيث رقم القرار المشار إليه، أو من حيث طبيعة النشاط التجاري موضوع الإغلاق، معتبراً أن طريقة تنفيذ القرار وحجز السلع تستوجب الوقوف عند مدى مطابقتها للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل. كما دعا عامل إقليم الجديدة إلى فتح تحقيق إداري نزيه ومستقل لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية عند الاقتضاء، مع التشديد على أن احترام القانون يجب أن يقترن دائماً بصون حقوق التجار وضمانات التقاضي.
غير أن هذا الجدل يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً يتعلق بطريقة تنفيذ القرارات الإدارية بمدينة الجديدة. فإذا كان الاتحاد يعتبر أن قرار الإغلاق المذكور يستوجب مراجعة قانونية والتحقيق في ظروف تنفيذه، فإن الرأي العام المحلي يتساءل، في المقابل، عن مصير قرارات أخرى استكملت جميع مساطرها القانونية، لكنها ظلت معلقة دون تنفيذ منذ مدة طويلة.
ومن بين هذه الملفات، يبرز القرار الجماعي القاضي بإغلاق فضاء للألعاب مقام فوق أرض عارية، والذي مضى على صدوره أكثر من سنة دون أن يرى طريقه إلى التنفيذ، رغم كونه قراراً نافذاً. وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا التأخير، والجهة التي تتحمل مسؤولية تعطيل التنفيذ، وما إذا كانت هناك اعتبارات غير قانونية تحول دون تطبيقه.
إن دولة الحق والقانون لا تستقيم بالانتقائية، فلا يجوز أن يثار النقاش فقط عندما يتم تنفيذ قرار إداري، كما لا يمكن القبول في المقابل ببقاء قرارات أخرى حبيسة الرفوف دون مبرر قانوني واضح. فالمبدأ يقتضي أن تخضع جميع القرارات للمعايير نفسها، سواء تعلق الأمر بضمانات التنفيذ أو بواجب تنفيذها، لأن العدالة الإدارية لا تتحقق إلا بالمساواة أمام القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية النظام العام لا تنفصل عن احترام الإجراءات القانونية، كما أن صيانة حقوق الأفراد لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعطيل قرارات مكتملة الشروط القانونية. فالرهان الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين نفاذ القانون واحترام الحقوق، بعيداً عن أي انتقائية أو ازدواجية في التطبيق.
ويبقى من حق الرأي العام أن يطالب بتوضيحات رسمية حول أسباب تنفيذ بعض القرارات بشكل فوري، مقابل استمرار تعطيل قرارات أخرى صدرت منذ أشهر أو سنوات، لأن هيبة المؤسسات لا تقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على تنفيذها وفق القانون، وبالشفافية التي تحيط بكل إجراء إداري، وبالالتزام الفعلي بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي جعله الدستور أحد ركائز الحكامة الجيدة.
وعليه، فإن المرحلة تقتضي فتح نقاش مؤسساتي هادئ ومسؤول حول آليات تنفيذ القرارات الإدارية والجماعية بإقليم الجديدة، بما يضمن حماية الحقوق، وصيانة المصلحة العامة، وتكريس المساواة أمام القانون، حتى لا تتحول القرارات الإدارية إلى مصدر للجدل بدل أن تكون أداة لإرساء الثقة في المؤسسات وتعزيز دولة القانون.






