أحمد فيصل القادري ، رئيس بأقلية صنعت لها التحالفات أغلبية
بعد انتهاء الولاية الثانية لمحمد أرسلان الجديدي، دخلت الجديدة سنة 1997 مرحلة سياسية مختلفة، مع انتخاب أحمد فيصل القادري رئيساً للمجلس البلدي، في فترة تزامنت مع تحولات سياسية كبيرة كان يعيشها المغرب في أواخر عهد الملك الحسن الثاني، وستقود بعد أشهر إلى تجربة التناوب التوافقي وتعيين عبد الرحمن اليوسفي وزيراً أول سنة 1998.
وكان القادري ابن المدينة؛ فهو نجل عبد الواحد القادري، أحد رموز الحركة الوطنية، وشقيق الجنرال عبد الحق القادري. كما سبق له أن شغل مسؤولية إدارية مهمة على رأس شركة النقل الحضري بالدار البيضاء، قبل أن يعود إلى الجديدة ويخوض تجربته الانتخابية باسم التجمع الوطني للأحرار.
سبعة مقاعد صنعت رئيساً
المثير في انتخابات 1997 أن القادري لم يدخل المجلس على رأس أغلبية مريحة. فبحسب المصادر المحلية، حصل فريقه على 7 مقاعد فقط من أصل 35، مقابل 11 مقعداً للاستقلاليين و9 مقاعد للفريق المحسوب على محمود عرشان، فيما توزعت المقاعد الأخرى على تيارات ومستقلين.
وهنا بدأت السياسة بمعناها المغربي المعروف: ليس ضرورياً أن تفوز بأكبر عدد من المقاعد لكي تصبح رئيساً، بل المهم أن تعرف كيف تجمع المقاعد بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
وبفضل مفاوضات وتحالفات مع الاستقلاليين ومستشارين آخرين، تمكن القادري من الوصول إلى الرئاسة. وتشير الروايات المحلية إلى أن تشكيل المكتب لم يكن سهلاً، بل رافقته مفاوضات حادة حول توزيع النيابات، قبل أن يستقر التحالف الذي أوصله إلى كرسي الرئاسة
وهكذا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ بلدية الجديدة: رئيس لا يملك الأغلبية الانتخابية، لكنه نجح في صناعة أغلبية سياسية.
رئيس البلدية والبرلماني في الوقت نفسه
لم يتوقف صعود القادري عند البلدية. ففي الانتخابات التشريعية ليوم 14 نونبر 1997 انتخب نائباً عن دائرة الجديدة، وهو أمر تؤكده وثائق المجلس الدستوري الرسمية، التي نظرت لاحقاً في طعن ضد انتخابه ورفضته.
وبذلك جمع القادري بين رئاسة المجلس البلدي والتمثيل البرلماني، وهو ما كان يمنحه ثقلاً أكبر في علاقته بالإدارة المركزية وبالرباط.
ماذا أنجزت مرحلة القادري؟
من أبرز ما تنسبه المصادر المحلية إلى مجلسه إصلاح عدد من طرق المدينة وفتح محاور جديدة ساهمت في فك العزلة عن مناطق كانت في طور التوسع العمراني، ومنها شارع جبران خليل جبران والطريق المارة أمام الثانوية التقنية والمقاطعة الحضرية الثالثة.
كما تعود إلى تلك المرحلة قصة المقاهي الثلاثة المطلة على شاطئ الجديدة، التي عاد الجدل حولها بعد عقود؛ إذ تفيد مصادر محلية بأن المجلس البلدي قرر سنة 1997 بناءها من ميزانية الجماعة بكلفة تجاوزت مليون درهم.
ويمكن القول إن القادري استفاد أيضاً من علاقاته ومن موقعه السياسي في الرباط للدفاع عن بعض مشاريع المدينة، وهي نقطة تحسب له، لأن رئيس الجماعة آنذاك لم يكن مجرد مسير لميزانية محلية محدودة، بل كان نجاحه مرتبطاً أيضاً بقدرته على طرق أبواب الوزارات والإدارات المركزية.
لكن هل غيرت الولاية وجه الجديدة؟
هنا يجب أن نبتعد عن الحنين إلى الأشخاص.
فالمدينة كانت تتوسع بسرعة، وبدأت أحياء جديدة تظهر وتزداد حاجتها إلى الطرق والتجهيزات والنظافة والنقل والمرافق العمومية. وما أنجز في البنية الطرقية كان مهماً، لكنه لم يكن كافياً لصناعة تحول حضري يجعل الجديدة تستثمر بالشكل المطلوب موقعها البحري والسياحي والصناعي.
كما أن الطريقة التي تشكلت بها الأغلبية تكشف مبكراً واحداً من أمراض التدبير الجماعي الذي سيلازم المجالس اللاحقة: التحالفات لا تُبنى دائماً حول برنامج للمدينة، وإنما كثيراً ما تبدأ بحساب الرئيس ونوابه وتوزيع مواقع المكتب.
وهنا يصبح المواطن آخر من يعرف لماذا تحالف هؤلاء مع أولئك، لكنه أول من يُطلب منه بعد ذلك أن يصبر حتى تنتهي الولاية.
نهاية التجربة
مع انتخابات 2002 تغيرت موازين القوى. وتشير المصادر المحلية إلى أن لائحة القادري في الانتخابات الجماعية التالية لم تحقق سوى أربعة مقاعد، فانتهت تجربته على رأس البلدية، لتنتقل الرئاسة بعد انتخابات 2003 إلى عبد اللطيف التومي.
كما فقد القادري مقعده البرلماني في انتخابات 27 شتنبر 2002 بدائرة الجديدة–أزمور، وطعن لاحقاً في نتائج الاقتراع إلى جانب مرشحين آخرين. وتثبت وثائق المجلس الدستوري وجود هذا الطعن ورفض طلبه الرامي إلى الإلغاء الكلي للانتخابات.
وهكذا انتهت مرحلة أحمد فيصل القادري، التي يمكن وصفها بأنها مرحلة الرئيس ذي العلاقات الواسعة والتحالفات المعقدة: دخل المجلس بسبعة مقاعد، وخرج منه رئيساً، ثم أصبح نائباً برلمانياً، واستطاع أن يترك بصمته خصوصاً في بعض المحاور الطرقية.
لكن الجديدة، كعادتها، كانت أكبر من حصيلة رئيس واحد.
فمنذ ذلك الزمن إلى اليوم تتغير الأسماء والأحزاب والتحالفات، ويبقى السؤال نفسه يتوارثه الجديديون من مجلس إلى مجلس:
ماذا أضافت هذه الولاية فعلاً إلى المدينة؟
وربما يكون هذا هو المعيار الوحيد العادل لكتابة تاريخ رؤساء الجديدة: لا عدد سنوات الجلوس على الكرسي، ولا قوة العلاقات في الرباط، ولا عدد أعضاء الأغلبية… بل ما الذي بقي في الجديدة بعد أن غادر الرئيس كرسيه
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






