صلاح الدين لمنور
في كل مدينة، وفي كل قرية، وبين زحام المواسم والمناسبات الكبرى، يمر رجال لا يعرفهم كثيرون، ولا تتصدر صورهم عناوين الصحف، ولا يبحثون عن الأضواء. يكتفون بأداء واجبهم في صمت، مؤمنين بأن أعظم النجاحات هي تلك التي يشعر بها الناس في أمنهم واستقرارهم، دون أن ينتبهوا إلى حجم الجهد الذي بُذل ليعيشوا تلك الطمأنينة.

وموسم مولاي عبد الله، الذي يعد من أكبر المواسم بالمملكة، ليس مجرد احتفال سنوي أو موعد وثقافي، بل هو تحدٍّ حقيقي لكل الأجهزة الساهرة على أمن المواطنين. فمئات الآلاف من الزوار يتوافدون من مختلف جهات المغرب، وتتقاطع الطرق، وتزدحم الممرات، وتتشابك المصالح، ويصبح الحفاظ على النظام مسؤولية لا يقدر عليها إلا رجال تمرسوا على الميدان، واكتسبوا من التجربة ما يجعلهم يسبقون الحدث قبل وقوعه.
وفي خضم هذا المشهد، برز اسم الكوموندو **حميد بعقلي**، ليس لأن أحدًا أراد أن يروّج له، وإنما لأن نجاح العمل كان هو المتحدث باسمه. فحين يخرج موسم بهذا الحجم في صورة حضارية، يسودها الأمن، وتنتظم فيها حركة السير بانسيابية لافتة، ويغادر الزائر وهو يحمل انطباعًا حسنًا عن حسن الاستقبال والتنظيم، فإن وراء ذلك رجالًا أدركوا أن المسؤولية ليست منصبًا، وإنما أمانة.
لقد أجمع كثير من أبناء المنطقة، ومن عايشوا تفاصيل الموسم، على أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل ميداني متواصل، وحضور دائم، وتنسيق محكم، ويقظة لا تعرف الكلل. والأجمل من ذلك أن رجال الكوموندو لم يجعلوا من هيبة الزي الرسمي حاجزًا بينهم وبين المواطنين، بل كانوا عنوانًا للأدب والاحترام وحسن الخلق، يوجهون الزائر بابتسامة، ويساعدون المحتاج، ويطبقون القانون بحزم دون تعالٍ أو إساءة.
وتلك هي المعادلة الصعبة التي لا ينجح فيها إلا القليل؛ أن تكون قويًا دون قسوة، وحازمًا دون غلظة، وقريبًا من الناس دون أن تتنازل عن هيبة القانون.
ولم يكن هذا النجاح استثناءً في مسيرة الكوموندو حميد بعقلي، إذ عرف، وفق ما يتناقله أبناء المنطقة، بصرامته في مواجهة كل من تسول له نفسه العبث بأمن البلاد، ولا سيما شبكات تهريب المخدرات، حيث ارتبط اسمه بإحباط عدد من عمليات التهريب، في عمل يتطلب الشجاعة، وسرعة القرار، وحسن التدبير، والإيمان بأن أمن الوطن لا يقبل التهاون.
ولعل أجمل ما يميز هذا الرجل أنه ما يزال في ريعان شبابه، في عقده الرابع، وهو عمر يمنح صاحبه طاقة الميدان وحيوية العطاء، ويؤكد أن القيادة ليست بعدد السنوات، وإنما بما يحققه الإنسان من أثر في نفوس الناس، وبما يقدمه من خدمة لوطنه.
إن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، وإنما يحرسها رجال أوفياء، يؤمنون بأن القسم الذي أدوه ليس كلمات تُردد، بل عهد يلازمهم في كل خطوة. ورجال الدرك الملكي كانوا، ولا يزالون، أحد الأعمدة الراسخة التي يستند إليها أمن هذا الوطن، يقدمون التضحيات في صمت، ويقفون في الصفوف الأولى، بينما ينعم المواطن بالأمن والاستقرار.
وأكتب هذه الكلمات بكل تجرد وصدق، وأشهد الله أنني لا تربطني بالكوموندو حميد بعقلي أي علاقة شخصية، لا قرابة ولا صداقة ولا مصلحة، وإنما هي شهادة سمعتها من أفواه أبناء المنطقة، ومن أشخاص اشتغلوا معه و عرفوه عن قرب، فوجدت من الإنصاف أن أنقلها كما هي، لأن من حق المجتهد أن يُذكر، ومن حق المجتمع أن يعرف نماذجه المشرقة كما يعرف المقصرين.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن الثناء الحقيقي لا تصنعه المقالات، وإنما تصنعه دعوات الناس، واحترامهم، وثقتهم. فإذا اجتمعت شهادة الميدان، وكلمة المواطن، ورضا الزائر، فقد نال رجل الأمن أعظم وسام يمكن أن يناله، لأنه وسام يُمنح من القلوب قبل أن تمنحه المؤسسات.
تحية إجلال وإكبار للكوموندو حميد بعقلي، وتحية لكل رجال الدرك الملكي الذين جعلوا من خدمة الوطن شرفًا، ومن حماية المواطنين رسالة، ومن الإخلاص منهجًا لا يحيدون عنه. فسيبقى الوطن، في حاجة دائمة إلى رجال من هذا الطراز، يعملون بصمت، ويتركون أعمالهم تتحدث عنهم، لأن الأثر الجميل أبقى من كل الكلمات، والذكر الحسن هو المكافأة التي لا يطالها الزمن






