هيئة التحرير
عندما فرضت فرنسا الحماية على المغرب سنة 1912، وجدت أمامها دولة لها سلطانها ومخزنها وقضاتها وقيادها وباشواتها وشيوخها ومقدموها. وكان بإمكانها أن تهدم هذه البنية وتحكم مباشرة، لكن المارشال هوبير ليوطي اختار طريقاً آخر.
هكذا برزت «السياسة الأهلية» Politique indigène، القائمة على الحكم غير المباشر: معرفة القبائل والأعيان والتوازنات المحلية، ثم توظيف المؤسسات المخزنية القائمة لخدمة الإدارة الجديدة.
لم يخترع ليوطي القائد ولا الباشا ولا الشيخ والمقدم، بل أعاد تنظيم أدوارهم وربطهم بجهاز الحماية. وكانت الغاية تقليل الحضور الفرنسي المباشر، والمحافظة على واجهة المخزن، وضبط القبائل والضرائب والأسواق والطرق برجال يعرفون السكان ويعرفهم السكان.
وبعبارة أبسط: لم يكن ليوطي في حاجة إلى فرنسي عند باب كل مغربي، ما دام هناك قائد أو باشا أو شيخ يستطيع الوصول إليه.
دكالة: لكل مجال رجاله
كانت دكالة فضاءً قبلياً واسعاً، ولا يمكن فهمها آنذاك بخريطة العمالات والجماعات الحالية. كانت هناك قيادات قبلية يشرف عليها القياد، ومدن يتولاها الباشوات، وتحتهم الشيوخ والمقدمون.
في العونات وبولعوان برز اسم القائد سيدي أحمد بن محمد التونسي، الذي عينته سلطات الحماية قائداً على العونات، وظل اسمه مرتبطاً ببولعوان وبدار القائد التونسي. كما ارتبطت المنطقة بزيارة الكاتب والطيار الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري سنة 1927.
وفي أولاد اعمرو والغربية برزت أسرة آل بن حميدة، ومن أسمائها عبد القادر بن حميدة. وكان مجال نفوذها يشمل جزءاً مهماً من دكالة الجنوبية والغربية في اتجاه المجال الساحلي والوليدية، قبل أن تُعزل العائلة من القيادة خلال عهد الحماية.
أما سيدي بنور فكانت مركزاً لمجال قبلي وفلاحي واسع، ومن الأسماء المرتبطة بقيادتها محمد بلحمدونية، المولود بمازاغان سنة 1904.
وعلى التخوم الشرقية لدكالة برز القائد العيادي في الرحامنة. وهو ليس من قياد دكالة بالمعنى الدقيق، لكن أهمية مجاله تأتي من مجاورته لدكالة وموقع الرحامنة بين دكالة ومراكش والشاوية.
أزمور ومازاغان: سلطة الباشا
مؤسسة الباشا أقدم من الحماية، فقد عرفت أزمور الباشوية قبل سنة 1912، وتشير روايات ووثائق القرن التاسع عشر إلى امتداد سلطة باشا أزمور، في بعض المراحل، نحو مازاغان وأجزاء من دكالة.
ومع صعود أهمية مازاغان، الجديدة اليوم، كميناء ومركز تجاري وإداري، أصبحت الباشوية مؤسسة أساسية في تدبير المدينة.
وتكشف وثائق سنة 1916 عن اسم علال بن إبراهيم القاسمي، باشا مازاغان، بينما يظهر في أواخر عهد الحماية اسم حمو بن عباس، الذي انتهت مهامه في ماي 1956.
ويبقى ضبط جميع أسماء باشوات مازاغان وتواريخ تعيينهم وعزلهم محتاجاً إلى العودة إلى أرشيف الحماية وملفات Territoire de Mazagan حتى لا نملأ الفراغ التاريخي بأسماء غير موثقة.
وقبل هؤلاء جميعاً يبرز اسم القائد محمد بن المعطي التريعي، أحد رجال السلطة والنفوذ في دكالة وأزمور ومازاغان أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهو دليل آخر على أن تاريخ القياد بالمنطقة لم يبدأ مع الحماية.
خريطة رجال قبل أن تكون خريطة حدود
يمكن اختصار المشهد في أسماء ومجالات:
العونات وبولعوان: القائد التونسي.
أولاد اعمرو والغربية: آل بن حميدة.
سيدي بنور: قيادها ومنهم محمد بلحمدونية.
الرحامنة: القائد العيادي على تخوم دكالة.
أزمور: باشويتها التاريخية.
مازاغان: باشواتها، ومنهم علال القاسمي وحمو بن عباس.
وتحت هؤلاء كان الخلفاء والشيوخ والمقدمون، وفوقهم خلال الحماية المراقبون والضباط والمسؤولون الفرنسيون.
وهكذا تحولت «السياسة الأهلية» من فكرة إلى هندسة للحكم: القائد يصل إلى القبيلة، والشيخ والمقدم إلى الدوار، والباشا يدبر المدينة، بينما بقي القرار الأعلى بيد الحماية.
لذلك فإن دراسة قياد دكالة وباشوات أزمور ومازاغان ليست مجرد استعادة لأسماء رجال مضوا، بل مدخل لفهم كيف أعادت الحماية تشكيل السلطة المحلية، وكيف تركت هذه الهندسة الإدارية آثاراً امتد بعضها إلى طرق تدبير المجال بعد الاستقلال.
فخريطة دكالة يومها لم تكن أرضاً وحدوداً فقط، بل كانت أيضاً خريطة رجال ونفوذ: لكل قبيلة قائد، ولكل مدينة باشا، وفوق الجميع كانت الحماية
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
الحلقة القادمة، ، ستكون أكثر تفصيلاً وتوثيقاً:
خريطة قياد دكالة وباشوات مازاغان خلال الحماية 1912–1956
كل قائد وباشا بالاسم، سنوات توليه، القبيلة أو المنطقة التي كانت تحت نفوذه، مركز قيادته، وعلاقته بإدارة الحماية، مع التركيز على العونات وبولعوان، أولاد اعمرو، سيدي بنور، أزمور ومازاغان،
أهم المراجع
أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية – مركز الأرشيف الدبلوماسي بنانت،
Joseph Goulven،
صاحب دراسة La région des Doukkala المنشورة سنة 1920
إبراهيم حركات
(1929–2020) من أبرز المؤرخين المغاربة، وأشهر أعماله موسوعة «المغرب عبر التاريخ»






