بقلم الذكتور ابراهيم عروش دريسي
ببالغ الحزن والأسى، تلقينا نبأ وفاة زوجة الراحل الكبير عبد الكريم الفيلالي، وبهذه المناسبة الأليمة، أتقدم بأحر التعازي وأصدق عبارات المواساة إلى الأخ الكريم الشريف مولاي عبد الله، ابن الفقيدين، وإلى جميع أفراد الأسرة الكريمة، راجيًا من الله تعالى أن يتغمد الراحلة بواسع رحمته، وأن يجمعها بزوجها في جنات النعيم، وأن يلهم أهلها وذويها جميل الصبر وحسن العزاء.
هناك رجال لا نحتاج إلى رؤيتهم حتى نعرفهم، ولا إلى مصافحتهم حتى نحترمهم. يكفي أن يصلنا صوتهم، فيسبقهم إلى قلوبنا، ويقيم فيها سنوات طويلة. ومن أولئك الرجال كان عبد الكريم الفيلالي، أو كما عرفه المغاربة بمحبة: مول القصيدة.
قبل أن تُولد المنصات الرقمية، وقبل أن يصبح الهاتف الذكي مكتبةً وإذاعةً ومسرحًا في الجيب، كان للمغاربة إعلام آخر، وجامعة أخرى، ومدرسة أخرى. كانت الحلقة هي الجامعة، وكانت القصيدة هي الكتاب، وكان عبد الكريم الفيلالي أحد أعظم أساتذتها.
ورغم أن الرجل ينحدر من تافيلالت، فإن اسمه امتزج بمدينة آسفي حتى أصبح جزءًا من هويتها الفنية والشعبية. وبحكم أن قريتي المزيندة كانت آنذاك تابعة إداريًا لإقليم آسفي، فقد كان نصيبنا من ذلك التراث كبيرًا. كانت أسطوانات الفيلالي تصل إلى قريتنا كما تصل الرسائل العزيزة، فتدور على أجهزة التسجيل في البيوت والمقاهي، ويجتمع حولها الصغار والكبار في صمت لا يقطعه إلا صوته.
كنا نحفظ قصائده عن ظهر قلب قبل أن نفهم أسرارها. نرددها ونحن نلعب، ونستعيد مقاطعها في الطريق إلى المدرسة، ونبتسم كلما تذكرنا حوارًا من حواراته. لم نكن ندرك آنذاك أننا لا نحفظ قصائد فحسب، بل نحفظ قطعةً من تاريخ المغرب، ودرسًا في اللغة، وفصلًا من فصول الوعي الشعبي.
لم أر عبد الكريم الفيلالي في طفولتي، لكنني شعرت أنني أعرفه أكثر من كثير ممن رأيتهم. كان حضوره يسبق صورته، وصوته يسبق اسمه، وكان الكبار يذكرونه بإجلال، كما يُذكر العلماء والفقهاء وأصحاب الحكمة. لم أسمع أحدًا يتحدث عنه إلا باحترام، وكأن الجميع كانوا متفقين على أن الرجل لم يكن مجرد فنان، بل صاحب رسالة.
وهكذا تربى جيلي، وأنا واحد منه، على قصائد الفيلالي دون أن يشعر أنه يتلقى درسًا. تعلمنا العربية من غير كتب قواعد، وتذوقنا جمال السجع والقافية، وحفظنا أمثالًا وحكمًا لا تزال تتردد على ألسنتنا إلى اليوم. ومن خلال قصائده تعرفنا على التاريخ، وعلى المجتمع، وعلى التحولات التي عرفها المغرب، وعلى قيمة الكلمة حين تكون صادقة.
لم يكن الفيلالي حكواتيًا يبحث عن الضحك، ولا زجالًا يلهث وراء التصفيق، بل كان مؤسسة ثقافية متنقلة. يقف وسط الحلقة بلا ميكروفون، ولا كاميرات، ولا مؤثرات صوتية، فيأسر المئات، وربما الآلاف، بقوة الكلمة وحدها. كان يصنع من السخرية حكمة، ومن الفكاهة نقدًا، ومن القصيدة درسًا في الأخلاق والسياسة والاجتماع.
وكانت مناظراته، مثل “السكايبي ومول الكيف” و**“بوفسيو والسبع”** و**“القرن 14 والميني جيب”**، نماذج بديعة لفن الحوار الشعبي. كان الناس يضحكون، ثم يغادرون الحلقة وهم يحملون فكرة، أو عبرة، أو سؤالًا يؤرقهم. وتلك هي عظمة الفن؛ أن يُمتع العقل كما يُمتع الأذن.
لقد كان الفيلالي، من حيث لا يدري كثيرون، معلمًا للتاريخ أيضًا. فمن خلال قصائده كنا نتعرف على أحداث وتحولات اجتماعية وسياسية، ونفهم ما يدور حولنا بلغة بسيطة يفهمها الجميع. وكان يعلمنا أن النضال ليس دائمًا هتافًا، بل قد يكون بيتًا من الزجل، أو ابتسامة ساخرة، أو كلمة حق تُقال في الوقت المناسب.
وكانت فلسطين حاضرة في وجدانه، يحمل همها إلى الناس في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل قد قرّبت المسافات. ولا يزال صدى صوته يتردد في الذاكرة وهو ينشد:
وجابوني يا مسلمين واش متنا ولا حيين
من بعد ما غاب صلاح الدين واش ما خلا دُرِّيَّة
فكانت كلماته تختصر وجع أمة، وتوقظ الضمير، وتؤكد أن الفنان الحقيقي لا ينفصل عن قضايا شعبه وأمته.
ولا أنسى تلك الأسطوانات ذات 33 دورة و45 دورة، التي كانت بالنسبة إلينا أثمن من كثير مما نملكه. لم تكن مجرد أقراص سوداء تدور فوق جهاز التسجيل، بل كانت ذاكرةً تدور، وحنينًا يدور، ومغربًا جميلًا يدور. كانت تنتقل من بيت إلى بيت، ومن يد إلى يد، كما تنتقل الكتب النفيسة، لأن الجميع كان يشعر أن ما تحمله أكبر من الترفيه؛ إنه جزء من شخصيتنا الجماعية.
واليوم، حين أرى سرعة المحتوى في زمن المنصات، يخطر ببالي سؤال بسيط: كم من صانع محتوى سيبقى في ذاكرة الناس بعد خمسين عامًا كما بقي عبد الكريم الفيلالي؟ وكم من مقطع قصير سيعيش في الذاكرة كما عاشت قصائده في وجدان المغاربة؟
لقد سبق عبد الكريم الفيلالي زمنه. كان إعلاميًا قبل أن نعرف الإعلام الجماهيري، وناقدًا اجتماعيًا قبل أن تنتشر برامج النقاش، ومؤرخًا لذاكرة الناس قبل أن تصبح الأرشفة علمًا قائمًا بذاته. ولو جُمعت قصائده، وحُققت، ودُرست في الجامعات، لاكتشف الباحثون أنهم أمام تراث أدبي ولغوي واجتماعي لا يقل قيمة عن كثير مما كُتب في الكتب.
رحم الله عبد الكريم الفيلالي، ورحم زوجته الكريمة، وجزاهما الله خير الجزاء، فقد تركا ذكرًا طيبًا في الناس، وأسرةً كريمة تحمل اسمهما وطيب سيرتهما.
وسيظل عبد الكريم الفيلالي حاضرًا في ذاكرة المغاربة، لا بما تركه من أسطوانات فحسب، بل بما خلّفه من أثر في الوجدان، وأجيالٍ تتحدث بعض لغته، وتبتسم لبعض سخريته، وتحن إلى زمن كانت فيه الحلقة مدرسة، وكانت القصيدة منبرًا، وكان الفنان معلمًا يحمل هموم الناس في قلبه، قبل أن يحملها في صوته
وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






