بقلم : كريم حاطب
في الوقت الذي تتواصل فيه الدعوات إلى تحقيق تنمية قروية مستدامة، وتحسين دخل الفلاح الصغير، والحد من الهجرة المتزايدة نحو المدن، يظل سؤال إعادة تأهيل زراعة التين الشوكي بالمغرب مطروحاً بإلحاح: لماذا لم تبادر وزارة الفلاحة، إلى حدود اليوم، إلى إطلاق برنامج وطني واسع لإعادة إحياء هذه السلسلة الفلاحية التي شكلت لعقود طويلة ركيزة اقتصادية واجتماعية وبيئية لآلاف الأسر القروية؟
لقد ارتبط التين الشوكي بالهوية الفلاحية المغربية، ولم يكن مجرد فاكهة موسمية، بل كان مورد رزق حقيقياً، ومصدراً للدخل وعنصراً أساسياً في المنظومة البيئية بالمناطق الجافة وشبه الجافة، حيث ساهم في تثبيت التربة، ومقاومة التصحر، وتوفير مورد اقتصادي لفئات واسعة من صغار الفلاحين.

صحيح أن الحشرة القرمزية تسببت في السنوات الماضية في كارثة حقيقية أتت على مساحات شاسعة من حقول التين الشوكي، وخلفت خسائر اجتماعية واقتصادية كبيرة، غير أن مرور السنوات، إلى جانب ما راكمته مراكز البحث العلمي من خبرات في تطوير أصناف مقاومة، يجعل من الضروري الانتقال من مرحلة تدبير الأزمة إلى مرحلة إعادة البناء واسترجاع هذا الموروث الفلاحي.
إن إعادة الاعتبار للتين الشوكي ينبغي أن تكون جزءاً من رؤية وطنية متكاملة تنخرط فيها وزارة الفلاحة، ومؤسسات البحث الزراعي، والجماعات الترابية والغرف الفلاحية، والتعاونيات من خلال برامج متكاملة وتأطير الفلاحين، ومواكبة عمليات الغرس والتسويق والتثمين، حتى تستعيد هذه الزراعة مكانتها الاقتصادية والتنموية.
ولعل إحياء التين الشوكي لن يكون مجرد مشروع فلاحي، بل مشروعاً اجتماعياً وثقافياً يعيد الثقة إلى الفلاح المغربي، ويمنح البادية نفساً جديداً، ويبعث الحياة في فضاءات طالما ارتبطت بذاكرة المغاربة، حيث **كانت مواسم الصيف تزدان بالتين الشوكي، و”الباكور” بمختلف أصنافه، والرمان، والعنب، في مشاهد صنعت جزءاً من الثقافة المغربية ومن صلة الرحم بين المدينة والقرية، عبر زيارات عائلية كانت تحمل معها دفء البادية وكرمها**.
إن إعادة غرس التين الشوكي ليست ترفاً تنموياً، بل استثمار في الإنسان والمجال، وفي الأمن الغذائي، وفي الاقتصاد القروي، وفي الحفاظ على الموروث الطبيعي الوطني. وهي خطوة من شأنها خلق فرص شغل، وتحسين دخل الأسر، والحد من النزوح القروي، وتعزيز صمود الساكنة في مواطنها الأصلية.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تجعل وزارة الفلاحة من هذا الملف أولوية ضمن برامجها المستقبلية، لأن إعادة إحياء التين الشوكي ليست مجرد إعادة غرس شجيرات، بل إعادة غرس الأمل في نفوس الفلاحين، ورد الاعتبار لجزء أصيل من الذاكرة الزراعية المغربية، وترجمة فعلية لشعار التنمية المجالية التي تبدأ من إنصاف العالم القروي وتمكينه من مقومات العيش الكريم.






