هيئة التحرير
لم يعد الوضع داخل مصلحة المستعجلات بالمستشفى محمد الخامس بالجديدة مجرد حديث عابر أو شكايات متفرقة، بعدما دخل الملف منعطفاً حقوقياً واضحاً، إثر الزيارة الميدانية التي قامت بها الأمانة العامة للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد بالمغرب، والتي قالت إنها وقفت خلالها على مجموعة من الملاحظات والاختلالات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً ومسؤولاً من الجهات المختصة.
البلاغ الصادر عن المنظمة بتاريخ 12 غشت 2026 دق ناقوس الخطر بشأن وضعية مصلحة يفترض أن تكون في مقدمة المرافق الصحية الجاهزة للتعامل مع الحالات الحرجة، مؤكداً أن الأمر لا يرتبط بمجرد اختلال إداري عابر، وإنما بحقوق أساسية للمواطن، وفي مقدمتها الحق في الصحة، والحق في السلامة الجسدية، والحق في الولوج إلى مرفق عمومي يحفظ كرامة المرضى والمرتفقين.
ومن بين أبرز النقاط التي أثارتها المنظمة، ما يتعلق بغياب جهاز السكانير، إلى جانب ما وصفته بوضعية مرتبطة بالتجهيزات والموارد البشرية، وهي عناصر لا يمكن التعامل معها باستخفاف داخل مصلحة تحمل اسم “المستعجلات”، لأن طبيعة الحالات التي تستقبلها تجعل من سرعة التشخيص وجودة التكفل مسألة لا تحتمل التأجيل أو الانتظار.
وهنا تطرح أسئلة مشروعة نفسها بقوة: من المسؤول عن ضمان جاهزية مصلحة المستعجلات؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار أي نقص في التجهيزات أو الأطر ؟ وهل سبق أن تم التنبيه إلى هذه الاختلالات؟ وما التدابير التي اتخذت لمعالجتها؟ وإذا كان هناك عجز أو خصاص خارج عن إرادة المسؤولين المحليين، فمن هي الجهة التي تتحمل مسؤولية توفير الإمكانيات الضرورية؟
أسئلة تفرضها طبيعة المرفق العمومي وحساسية الخدمات التي يقدمها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصحة المواطنين وسلامتهم.
المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد لم تقف عند حدود المعاينة، بل طالبت وزير الصحة والحماية الاجتماعية بالتدخل العاجل والوقوف على حقيقة الوضعية، كما طالبت بتوفير التجهيزات الطبية الضرورية، وعلى رأسها جهاز السكانير، وضمان جاهزيته واستمرارية الاستفادة منه بما يخدم الحالات المستعجلة، إلى جانب سد الخصاص المسجل في الأطر الطبية والتمريضية والتقنية، بما يضمن تقديم خدمات صحية لائقة تستجيب لحاجيات المواطنين.
كما طالبت المنظمة بفتح بحث إداري مسؤول حول الاختلالات، وتحديد مكامن الخلل وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء وفقاً للقانون، لأن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يكون شعاراً موسمياً، بل ينبغي أن يكون قاعدة في تدبير المرافق العمومية.
فالمواطن الذي يلج مصلحة المستعجلات لا يبحث عن امتياز ولا عن خدمة تكميلية، وإنما يصل إليها في ظروف صحية قد تكون حرجة، وقد يتعلق الأمر بحياة إنسان أو سلامته الجسدية. ولذلك فإن توفير التجهيزات الأساسية، وحضور الأطر الطبية والتمريضية والتقنية، وسرعة التشخيص والتدخل، ليست أموراً ثانوية، بل هي من صميم الحق في الصحة ومن صميم واجب المرفق العمومي.
إن كرامة المريض ليست امتيازاً، والاستفادة من العلاج في ظروف تحفظ السلامة الإنسانية حق أساسي ينبغي أن يجد طريقه إلى أرض الواقع من خلال خدمة صحية عمومية فعالة ومسؤولة.
وبعد صدور هذا البلاغ، فإن الكرة أصبحت في ملعب الجهات الصحية والإدارية المختصة لتقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام، بعيداً عن منطق الصمت أو التبريرات العامة. فالمطلوب اليوم هو التدخل العاجل لمعالجة الوضع، وإذا كانت بعض المعطيات تحتاج إلى توضيح، فإن من حق الجهات المعنية أن تقدم ردها وتضع الرأي العام أمام حقيقة الوضع بالأرقام والمعطيات الرسمية.
فهل جهاز السكانير غير متوفر؟ وما أسباب ذلك؟ وهل هناك بدائل عملية للحالات المستعجلة؟ وهل الخصاص في الأطر الطبية والتمريضية والتقنية قائم فعلاً؟ وما الإجراءات المتخذة لسده؟ وهل تم رصد هذه الاختلالات في وقت سابق؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخر، إن ثبت وجوده، في معالجة الوضع؟
هذه الأسئلة وغيرها لم تعد شأناً داخلياً يمكن أن يظل حبيس المكاتب، لأن الأمر يتعلق بمرفق صحي عمومي وبحقوق مواطنين يلجؤون إليه في أكثر لحظاتهم حاجة إلى الرعاية والعلاج.
مدينة الجديدة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الجدل، وإنما تحتاج إلى أجوبة واضحة وإجراءات ملموسة. فالمستشفى العمومي ليس مجرد بناية، ومصلحة المستعجلات ليست مجرد قسم إداري، والمريض ليس مجرد رقم في سجل الاستقبال. إن الأمر يتعلق بحقوق وحياة وكرامة مواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اختلال ثابت يجب أن يعالج، وأي تقصير ثابت يجب أن تترتب عنه المسؤولية وفق القانون، وأي نقص خارج عن إرادة المسؤولين المحليين يجب أن تتم معالجته من طرف الجهات الوصية دون إبطاء.
فالحق في الصحة لا يحتمل التسويف، وصحة المواطن ليست ملفاً قابلاً للتأجيل.






