معاناة النقل الحضري بمدينة الجديدة ليست مشكلة تخص من ينتظر الحافلة في المحطة فقط، ولا من يقف رافعاً يده لسيارة أجرة صغيرة فتتجاوزه وكأنه يطلب الهجرة إلى كوكب آخر. إنها معاناة مدينة كاملة، يجب أن يشعر بها من يملك سيارة، ومن لا يملك غير ساقيه وحذاءً صالحاً للمشي.
فحين تتوقف الحافلات بسبب احتجاج العمال على أجور متأخرة أو مستحقات عالقة أو مشاكل مرتبطة بالضمان الاجتماعي، لا تتوقف الحافلة وحدها؛ تتوقف معها مصالح الناس. تلميذ يتأخر عن مدرسته، طالب عن كليته، موظف عن عمله، ومريض عن موعده. أما المواطن الذي ينتظر في المحطة، فيتحول تدريجياً من مرتفق إلى معتكف، يراقب الطريق لعل حافلة تظهر له كرامة خارقة.
والأغرب أن العامل نفسه ضحية. فالسائق والمستخدم الذي يُطلب منه أن ينقل الناس إلى أعمالهم قد لا يكون قد توصل هو نفسه بأجر عمله! أي أننا أمام معادلة نقل جديدة: عامل لا يتقاضى مستحقاته، ومواطن لا يجد من ينقله، ومسؤول يبحث عن اجتماع لمناقشة أسباب تعثر الاجتماع السابق.
وإذا نجت حافلة من الإضراب، فقد لا تنجو أحياناً من حجر جانح يرى في زجاج الحافلة هدفاً ممتازاً لاختبار دقة التصويب. وهكذا يصبح الأسطول المنهك أصلاً مطالباً بمواجهة الأعطاب والخصاص والتخريب في آن واحد.
أما سيارة الأجرة الصغيرة، فهنا ندخل إلى عالم آخر.
المفروض أن المواطن يحدد وجهته والعداد يحدد الثمن، لكن الواقع قد يقلب الأدوار: السائق يسألك أولاً: فين غادي؟ فإن أعجبته الوجهة أصبحت زبوناً، وإن لم تعجبه فقد تكتشف فجأة أنك تسكن في منطقة خارج اهتماماته الجغرافية.
والعداد؟ موجود طبعاً، فهو جزء مهم من ديكور السيارة!
أما التسعيرة، فقد تتحول عند بعض المخالفين إلى اجتهاد شخصي يتأثر بالساعة والازدحام والمطر والطلب ومزاج السائق وربما حركة الكواكب. فيصبح المواطن قبل ركوب الطاكسي مطالباً بمهارات التفاوض التي يحتاجها عادة تجار البورصة.
ثم نتساءل لماذا تختنق شوارع الجديدة؟
حافلات تعاني، سيارات أجرة تتكاثر في بعض المحاور، شاحنات تمر من طرق لم تعد تتحمل المزيد، سيارات خاصة تبحث عن مكان للوقوف، وطرقات لم تتوسع بالسرعة نفسها التي توسعت بها المدينة. والنتيجة أن قطع بضعة كيلومترات قد يتحول في ساعة الذروة إلى رحلة تسمح لك بالتأمل في الحياة ومراجعة أخطائك منذ الطفولة.
لكن أخطر ما في أزمة النقل ليس التأخر وحده.
عندما يضطر المواطن إلى المشي لمسافات طويلة، خصوصاً في المساء أو في مناطق قليلة الحركة، فإن الأمر يتحول إلى مسألة أمن وسلامة. يزداد خطر السرقة والاعتداء والتعنيف، وتصبح المرأة والعامل والتلميذ والطالب والمسن أكثر هشاشة أمام شارع لا يوفر دائماً وسيلة نقل منتظمة وآمنة.
ومن يملك سيارة لا ينبغي أن يقول: وما شغلي أنا؟.
بل هو أيضاً يدفع الثمن: ازدحام أكبر، سيارات أجرة متوقفة أو متجمعة في بعض النقط، مزيد من السيارات الخاصة في الشوارع لأن الناس فقدوا الثقة في النقل الجماعي، وصعوبة أكبر في الوقوف والتنقل.
النقل الحضري ليس خدمة للفقراء، بل شريان للمدينة.
فالمدينة التي تملك نقلاً عمومياً جيداً تجعل حتى صاحب السيارة يتركها أحياناً في البيت. أما المدينة التي يفشل فيها النقل الجماعي، فإنها تجبر كل من يستطيع على شراء سيارة، ثم تستغرب بعد ذلك لماذا اختنقت الطرقات!
لقد أصبحت الجديدة في حاجة إلى أكثر من حلول ترقيعية تنتهي بانتهاء الإضراب أو اجتماع يعقبه اجتماع. المطلوب مرفق نقل مستقر، أسطول كافٍ ومحترم، حقوق عمال مضمونة، خطوط ومواعيد واضحة، وتنظيم حقيقي لسيارات الأجرة مع احترام العداد والوجهات والتعريفة القانونية، بالتوازي مع معالجة الاختناق المروري.
لأن الجديديين لا يطلبون قطاراً تحت الأرض ولا مركبات ذاتية القيادة.
يريدون فقط أن يخرج المواطن من بيته وهو يعرف كيف سيصل، ومتى سيصل، وكم سيدفع، وأن يعود إلى بيته سالماً.
وإلى أن يتحقق ذلك، يبدو أن أكثر وسائل النقل انتظاماً في الجديدة ما زالت هي الساقان…
وحتى هاتان، نرجو ألا يفكر أحد مستقبلاً في إنشاء لجنة لتنظيم استعمالهما
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






