بقلم :حاطب عبّد الكريم
في سياق استعداد الأحزاب السياسية لخوض غمار الاستحقاقات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، بدأت ملامح الحركية التنظيمية والسياسية تفرض نفسها بقوة، من خلال المؤتمرات الإقليمية واللقاءات التنظيمية وتقديم المرشحين الذين سيحملون ألوان أحزابهم في السباق الانتخابي.
وبين مشهد وآخر، لفتت الانتباه تلك الوصلات الفلكلورية التي ترافق استقبال بعض الأمناء العامين والقيادات الحزبية، في أجواء احتفالية مبهجة، حيث امتدت الأيادي بالتصفيق، وتحركت الأجساد على إيقاع الموسيقى الشعبية، بل إن بعض الأمناء لم يترددوا في مشاركة الفرق الفلكلورية رقصاتها، في لحظات عفوية أسرت الحاضرين وأضفت على اللقاءات التنظيمية جرعة من الفرح والاحتفال.
ولا شك أن الفرح حق، والفن جزء أصيل من الثقافة المغربية، والاحتفاء بالضيوف والقيادات تقليد متجذر في الذاكرة الاجتماعية المغربية. وليس في الرقص الفلكلوري، في حد ذاته، ما يستوجب المؤاخذة، ما دام تعبيراً عن الفرح والانتماء والاحتفاء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيداً عن أضواء المنصات وإيقاعات الفرق الفلكلورية: ماذا لو انتقلت هذه الروح الاحتفالية من المنصة إلى ميدان العمل؟
ماذا لو شاهد المواطن تلك الحماسة نفسها في معالجة الملفات التي تؤرقه؟ ماذا لو تحولت خفة الحركة في الرقص إلى خفة وسرعة في إنجاز الإصلاحات؟ وماذا لو وجد المواطن أمامه قيادات سياسية تتحرك بالسرعة نفسها لمعالجة البطالة، وتحسين الصحة والتعليم، وتجويد الخدمات العمومية، وتخفيف أعباء المعيشة، وتحقيق العدالة المجالية، وإيجاد حلول حقيقية لمشاكل الشباب؟
ذلك أن المواطن المغربي لا يرفض الفرح، ولا يعترض على الاحتفال، ولا يريد من السياسي أن يعيش دائماً بملامح عابسة. لكنه يريد، في المقابل، أن يرى شيئاً من تلك الحيوية حين يتعلق الأمر بمصالحه اليومية وانتظاراته المشروعة.
فالشارع المغربي، بين الفينة والأخرى، يرسم مؤشرات لا يمكن تجاهلها، ويعبّر عن حالة من الضمور السياسي والاجتماعي حين يشعر المواطن بأن الوعود تتكرر، بينما تتأخر النتائج، وأن الخطاب الانتخابي يكون في أحيان كثيرة أكثر حيوية من واقع التدبير.
ولذلك، فإن أجمل رقصة يمكن أن يؤديها السياسي ليست بالضرورة أمام فرقة فلكلورية، وإنما تلك التي يؤديها في ميدان الإصلاح: رقصة الملفات التي تتحرك، والمشاريع التي تنجز، والمستشفيات التي تتحسن، والمدارس التي تتطور، وفرص الشغل التي تُخلق، والإدارة التي تستجيب، والعدالة الاجتماعية التي تتحول من شعار إلى واقع.
وإذا كانت المرحلة الانتخابية تفرض على الأحزاب أن تقدم مرشحيها وتعبئ قواعدها وتستعرض قوتها التنظيمية، فإنها تفرض عليها أيضاً أن تقدم للمواطن برنامجاً قابلاً للقياس، ووعوداً قابلة للتحقق، ومسؤولين قادرين على تحويل الخطاب إلى فعل.
فليست المشكلة أن نرقص فرحاً مع الفرق الفلكلورية، بل أن نتمكن من جعل المواطن نفسه يرقص فرحاً عندما يرى مدرسة تليق بأبنائه، ومستشفى يصون كرامته، وشارعاً نظيفاً وآمناً، وشغلاً يحفظ كرامة الشباب، وخدمات عمومية لا يحتاج معها إلى رفع صوته حتى يُسمع.
تلك هي الرقصة التي ينتظرها الشعب.
رقصة الإصلاح، لا رقصة المنصة. ورقصة الإنجاز، لا رقصة الوعود.
فهل نشاهدها بعد 23 شتنبر، أم ستظل أجمل الرقصات حكراً على المهرجانات والمؤتمرات؟

رقصات الانتخابات. فهل نراها أيضاً في ميدان الإصلاح والإنجاز بعيدا عن رقصة الوعود !؟
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات





