بقلم : حاطب عبد الكريم
السيد عامل إقليم الجديدة،
نكتب إليكم اليوم ليس من باب المجاملة، ولا بحثاً عن امتياز أو معاملة خاصة، وإنما من باب المسؤولية والحرص على أن تظل الإدارة العمومية وفية لفلسفة الدولة التي تجعل خدمة المواطن والإنصات إليه والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة من ركائز تدبير الشأن العام.
فأين نحن السيد العامل، من الحكامة الجيدة حين تظل طلبات مقابلة موجهة إلى المسؤول الترابي الأول بالإقليم لأكثر من ستة أشهر دون أن تجد طريقها إلى مكتبكم، ودون أن يتوصل أصحابها، بحسب المعطيات المتوفرة، حتى بجواب واضح حول مآلها؟
السؤال هنا ليس موجهاً من أجل التصعيد، وإنما هو سؤال مشروع يفرض نفسه بقوة:
من يراقب مآل طلبات المواطنين؟ ومن يتابعها؟ ومن يتحمل مسؤولية بقائها معلقة كل هذه المدة؟ وهل أصبح الوصول إلى المسؤول الترابي الأول حلماً يحتاج إلى أشهر طويلة من الانتظار؟
السيد العامل،
إن التكليف المولوي السامي الذي تتحملونه ليس مجرد منصب إداري أو مسؤولية بروتوكولية، وإنما هو أمانة وثقة وتكليف لخدمة المواطنين والسهر على تطبيق القانون وحماية المصلحة العامة.
وإذا كانت الحكامة الجيدة تعني، في جوهرها، النجاعة والشفافية والإنصات وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن أول اختبار لها يبدأ من أبسط نقطة: كيف تتعامل الإدارة مع مواطن أو هيئة أو فعالية طرقت بابها وطلبت مقابلة مسؤولها؟
هل يكون الجواب هو الانتظار؟
هل يكون الصمت هو الوسيلة؟
هل تظل الطلبات حبيسة مكاتب الاستقبال والسكرتارية والمصالح الإدارية دون أن يعرف أصحابها أين وصلت؟
إن الإدارة التي لا تجيب المواطن تترك فراغاً لا يمكن أن يبقى فارغاً؛ لأن الصمت الإداري يفتح الباب للتأويلات، ويغذي الإحباط، ويعمق المسافة بين المواطن والمؤسسة.
وهنا بالضبط تكمن خطورة الأمر.
السيد العامل،
لقد اختار أصحاب هذه الطلبات الطريق المؤسساتي. لم يقطعوا الطريق، ولم يرفعوا الشعارات في الشارع، ولم يبحثوا عن أبواب جانبية، بل طرقوا باب الإدارة، واحترموا المساطر، وانتظروا.
لكن ماذا بعد أكثر من نصف سنة؟
إلى متى الانتظار؟
إن احترام المواطن لا يعني بالضرورة الاستجابة لمطلبه، كما أن حقه في المقابلة لا يعني أن المسؤول ملزم بقبول كل طلب. لكن الحكامة الجيدة تفرض شيئاً أبسط وأوضح:
أن يُستقبل الطلب، وأن يُدرس، وأن يُتخذ بشأنه القرار، وأن يُبلّغ صاحبه بمآله داخل أجل معقول.
أما أن يظل المواطن معلقاً بين مكتب الاستقبال ومكتب المسؤول، فلا يعرف هل وصل طلبه أم لم يصل، وهل تمت دراسته أم لا، وهل المقابلة مقبولة أم مؤجلة أم مرفوضة، فذلك سؤال كبير ينبغي أن يُطرح بكل صراحة.
السيد العامل،
إننا لا نريد أن نضع المسؤولية في غير محلها، ولا أن نستبق نتائج أي افتحاص، لكننا نعتقد أن من حق الرأي العام أن يتساءل:
إذا كانت الطلبات قد أحيلت فعلاً على مكتبكم، فلماذا لم تتم برمجتها أو الرد عليها؟ وإذا لم تصل إلى مكتبكم، فأين توقفت؟ ومن أوقف مسارها؟ ولماذا؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطابات طويلة، وإنما تحتاج إلى حكامة إدارية حقيقية، ومسؤولية واضحة، وآليات دقيقة لتتبع المراسلات والطلبات.
السيد العامل،
إن الرهان اليوم ليس فقط على معالجة ملفات بعينها، وإنما على إعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة.
والثقة لا تُبنى بالمكاتب الفخمة، ولا بالاجتماعات، ولا بالبلاغات، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن طلبه لا يضيع بين الرفوف، وأن الإدارة تحترم وقته وكرامته، وأن المسؤول العمومي قريب من انشغالاته.
لقد أصبح الحديث عن الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة جزءاً أساسياً من الخطاب المؤسساتي للدولة المغربية، ولذلك فإن تنزيل هذه المبادئ لا ينبغي أن يبقى مجرد شعارات، بل يجب أن يظهر في التدبير اليومي للإدارة وفي علاقتها بالمواطن.
ومن هنا، فإننا نضع أمامكم، السيد العامل، مطلباً واضحاً لا لبس فيه:
افتحوا ملف طلبات المقابلة التي ظلت معلقة لأكثر من ستة أشهر.
اعرفوا أين توقفت.
استفسروا عن أسباب التأخير.
حددوا مكامن الخلل.
وأعطوا التعليمات اللازمة حتى لا تتحول مكاتب الاستقبال إلى مجرد محطات لتسجيل الطلبات دون تتبع أو جواب.
إن كان هناك ضغط على أجندة المسؤول، فذلك مفهوم.
وإن كانت الأولويات تفرض ترتيب الطلبات، فذلك مفهوم.
وإن كانت طبيعة بعض الملفات تقتضي إحالتها على مصالح أخرى، فذلك أيضاً مفهوم.
لكن ما لا يمكن أن يكون مفهوماً هو أن يبقى المواطن دون جواب.
السيد العامل،
إن موقعكم يجعل منكم المسؤول الأول عن إعطاء النموذج في احترام المواطن والإدارة المواطنة.
وإذا كان المواطن مطالباً باحترام الإدارة والقانون والمساطر، فإن الإدارة بدورها مطالبة باحترام المواطن والآجال ومبدأ الشفافية وحسن تدبير المرفق العمومي.
فالحكامة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، وإنما سلوك يومي يبدأ من مكتب الاستقبال وينتهي عند المسؤول الذي يتحمل القرار.
ولذلك، فإن هذه الرسالة ليست خصومة مع شخصكم، وإنما هي دعوة صريحة إلى تصحيح مسار، وإلى جعل باب عامل الإقليم مفتوحاً أمام القضايا التي تستحق الاستماع، وإلى التأكد من أن ما يُحال على مكتبكم يصل فعلاً، وأن ما يصل يجد من يتابعه.
السيد العامل،
إن ساكنة إقليم الجديدة لا تريد المستحيل.
لا تريد امتيازات.
لا تريد تجاوز القانون.
ولا تريد أن تُعامل خارج المؤسسات.
إنها تريد فقط إدارة تسمع، ومسؤولاً ينصت، ومؤسسة تجيب، ومساراً إدارياً واضحاً لا تضيع فيه الطلبات ولا تضيع معه ثقة المواطن.
ولهذا نقولها بصراحة ومسؤولية:
أين الحكامة الجيدة من طلبات مقابلة عمرها أكثر من نصف سنة؟
وأين آليات تتبع المراسلات؟
وأين مبدأ الإدارة المواطنة؟
وأين حق المواطن في جواب مؤسساتي واضح؟
إن الكرة اليوم في ملعبكم، السيد العامل.
فإما أن تجد هذه الطلبات طريقها إلى مكتبكم، أو أن يُكشف للرأي العام أين توقفت ولماذا.
وفي الحالتين، فإن المطلوب واحد:
أن تنتصر المؤسسة للمواطن، وأن تنتصر الحكامة للإدارة، وأن تنتصر المسؤولية لمنطق الصمت والانتظار.
السيد العامل،
لقد آن الأوان لكي لا يبقى باب الإدارة مجرد باب يُطرق، بل باباً يُفتح.
آن الأوان لكي لا يكون الانتظار جواباً، ولا الصمت سياسة، ولا رفوف المكاتب مقبرة لطلبات المواطنين.
والأمل معقود على أن تتدخلوا شخصياً لوضع حد لهذا الوضع، بما يعيد الاعتبار لثقافة الإنصات والتواصل، ويكرس فعلياً، لا قولاً فقط، مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وخدمة المواطن والصالح العام.
رسالة واضحة.. باب المسؤولية يجب أن يظل مفتوحاً، وصوت المواطن يجب ألا يظل عالقاً خلف أبواب الإدارة.






