عن هيئة التحرير
في ظل ما تعرفه مدينة الجديدة، خلال السنوات الأخيرة، من مظاهر متزايدة للفوضى في المشهد الإعلامي، وما رافقها من تنامي ظاهرة المراسلين الموسميين ومنتحلي الصفة الصحفية، يستعد المرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان لمراسلة السيد عامل إقليم الجديدة، من أجل إثارة هذا الملف بكل ما يطرحه من إشكالات قانونية ومهنية وأخلاقية، والمطالبة بتفعيل آليات التتبع والمراقبة والحرص على احترام القوانين المنظمة للمهنة.
ولم يعد خافيا أن المشهد الإعلامي المحلي أضحى، في بعض المناسبات والمحطات، مسرحاً لتواجد أشخاص يقدمون أنفسهم للرأي العام باعتبارهم صحفيين أو مراسلين، في الوقت الذي تطرح وضعيتهم المهنية والقانونية أكثر من علامة استفهام، خصوصاً في غياب ما يثبت توفرهم على الشروط والصفة التي تخول لهم ممارسة العمل الصحفي وفق القوانين الجاري بها العمل.
والأخطر من ذلك أن بعض الصفحات والحسابات الفيسبوكية تحولت، في مناسبات فنية وثقافية ورياضية وإعلامية، إلى ما يشبه منصات إعلامية موازية خارج كل تأطير مهني، بما يخلق ارتباكا في واجهات التظاهرات ويشوش أحياناً على عملية التنظيم والتغطية، ويطرح سؤالاً عريضاً حول الجهة التي تتحمل مسؤولية مراقبة هذا المشهد وضبطه.
ويعتبر المرصد أن موسم مولاي عبد الله أمغار يشكل نموذجاً واضحاً لهذه الظاهرة، بالنظر إلى التزايد اللافت في أعداد من يقدمون أنفسهم كمراسلين أو صحفيين خلال هذه المناسبة الكبرى، وهو ما يطرح نفسه أيضاً خلال المعرض الدولي للفرس بالجديدة وغيرها من المحطات التي تستقطب وسائل الإعلام والمهنيين.
فالمسألة اليوم حسب المرصد، لا تتعلق بمجرد حضور أشخاص يحملون هواتفهم أو كاميراتهم لتوثيق الأحداث، وإنما تتعلق بحدود ممارسة العمل الصحفي، وبالمسؤولية المترتبة عن جمع المعلومة ومعالجتها ونشرها وتوجيهها إلى المتلقي. فالصحافة ليست مجرد هاتف ذكي وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست شارة تُعلق في الصدر أو صفة يمنحها الشخص لنفسه متى شاء، وإنما هي مهنة لها قواعدها وأخلاقياتها ومسؤولياتها وضوابطها القانونية.
ويشدد المرصد الدولي للإعلام وحقوق الإنسان على أن حرية التعبير لا تعني الفوضى الإعلامية، وحرية النشر لا تعني انتحال صفة الصحفي، والانتساب إلى العالم الرقمي لا يمنح صاحبه تلقائياً صفة مهنية ليست له.
كما أن التطور الرقمي وما أفرزه من انتشار واسع للمحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لإسقاط قواعد المهنية والمسؤولية، خصوصاً أن المعلومة الخاطئة أو المضللة قد تلحق أضراراً بالغة بالأفراد والمؤسسات والمجتمع، وتؤثر في صورة التظاهرات والفعاليات وتضرب في العمق ثقة المواطن في الإعلام الجاد والمسؤول.
ومن هذا المنطلق، يؤكد المرصد أنه لن يتعامل مع ظاهرة «المراسل الموسمي» باعتبارها ظاهرة عابرة أو هامشية، وإنما باعتبارها قضية تستوجب النقاش المؤسساتي والقانوني، خصوصاً عندما يتحول بعض الأشخاص إلى ممارسة أدوار صحفية دون توفر الشروط القانونية والمهنية اللازمة.
وسيعمل المرصد على مراسلة الجهات الإدارية المختصة، وسلوك القنوات القانونية والقضائية عند الاقتضاء، من أجل المطالبة بالتحقق من الوضعية القانونية والمهنية للمنابر والأشخاص الذين يمارسون النشاط الإعلامي، ومدى احترامهم للمقتضيات القانونية المنظمة للمهنة، مع ضرورة وضع حد لكل أشكال الفوضى التي تسيء إلى صورة الإعلام المحلي وإلى الصحفيين المهنيين الذين راكموا سنوات من العمل والالتزام والمسؤولية.
إن المرحلة لم تعد تحتمل استمرار هذا العبث؛ فالجديدة في حاجة إلى إعلام مهني ومسؤول، لا إلى فوضى في الألقاب والصفات، وإلى صحفيين يحترمون أخلاقيات المهنة، لا إلى أشخاص يظهرون موسمياً عند التظاهرات الكبرى ثم يختفون بانتهائها.
وعليه، فإن القطع مع ظاهرة انتحال الصفة الصحفية والمراسلين الموسميين ليس تضييقاً على الإعلام ولا مساساً بحرية التعبير، بل هو دفاع صريح عن المهنة وعن الصحفيين المهنيين وعن حق المواطن في معلومة دقيقة ومسؤولة وموثوقة.
فحين تصبح الصفة الصحفية متاحة لكل من امتلك هاتفاً وصفحة، يصبح لزاماً على الجهات المختصة أن تتدخل وحين تتحول بعض التغطيات إلى تشويش على التظاهرات والفعاليات، فإن الصمت لم يعد مقبولا.
الجديدة تحتاج إلى تنظيم مشهدها الإعلامي، وضبط صفته المهنية، ووضع حد للفوضى التي تسيء إلى الإعلام أكثر مما تخدمه.






