بقلم/ سيداتي بيدا
في بداية كل عام جامعي، يدخل الطالب الطموح قاعة الدراسات العليا وهو يحمل في جيبه حلمًا كبيرًا: أنه سيدخل عالم الفكر النقدي والبحث العلمي الحقيقي. لكنه سرعان ما يكتشف أنه اشترى تذكرة لمسرحية هزلية طويلة، يتقن فيها الجميع أدوارهم ببراعة مدهشة، ويخرج في النهاية دون أن يتعلم أحد شيئًا يُذكر.
يبدأ العرض بطقوس مألوفة. يقف الأستاذ أمام السبورة بوقار، يجلس الطلبة خلف المكاتب بجدية مصطنعة، ويبدأ التمثيل. الأستاذ يتظاهر بشرح عميق، الطالب يتظاهر بالفهم الشديد، والهاتف الذكي يتظاهر بأنه يسجل ملاحظات ثمينة. الجميع يعرف أن المحتوى سطحي، والحضور شكلي، لكن التصفيق في نهاية كل محاضرة يكون حارًا كأنهم في عرض أوبرا في فيينا.
أما من يحاول كسر السيناريو فيواجه مصيرًا معروفًا. في عالم الدراسات العليا، لا مكان للسؤال النقدي. من يرفع يده ويقول “هل يمكن توضيح هذه النقطة؟” يُصنف فورًا ضمن “العناصر المشاغبة”، ويجد نفسه يدفع ثمن جرأته بنقاط إقصاء خفية أو ابتسامات باردة. البقاء هنا يتطلب موهبة خاصة: فن الانحناء بلباقة، أو الاختفاء التام. التملق ليس مهارة إضافية، بل شرط أساسي للنجاح.
ومن أجمل المفارقات الكوميدية أن بعض المواد التي تحمل اسم “تعميق” لا تتعمق إلا في السطح. يدخل الأستاذ القاعة أحيانًا وكأنه يكتشف المحتوى لأول مرة مع الطلبة، ثم يصل الأمر إلى ذروته حين تكشف برامج كشف السرقة الأدبية أن بعض الأطروحات لم تكن سوى ترجمة سريعة مدعومة بـ”Ctrl+C” و”Ctrl+V” وجرعة كبيرة من الجرأة. ومع ذلك، يخرج “دكتور” جديد إلى السوق، يرتدي اللقب بكل فخر.
والأجمل من ذلك أن النظام يعيد إنتاج نفسه بإتقان. كما يقول المثل المغربي: “ما خرج من خيمة معوجة إلا وهو أعوج”. حين تُمنح المناصب الأكاديمية بالواسطة والمحسوبية أكثر مما تُمنح بالكفاءة، تنتقل السلطة المطلقة والعقد النفسية من جيل إلى جيل. الطالب، كالعادة، هو الحلقة الأضعف. يدفع الفاتورة تحت عناوين مهذبة مثل “معايير التقييم”، بينما تستمر الجهات المسؤولة في مطاردة الظواهر السطحية وتترك الجذور تتعمق بهدوء.
ولا ننسَ السوق الموازية المزدهرة. هناك من يبيع “العروض التقديمية” بست دراهم للورقة. يقف الطالب أمام اللجنة يقرأ بتلعثم واضح، فيحصل على تصفيق حار وتقييم “مواظب وملتزم”. ليس الجميع كذلك بالطبع، فهناك من يعمل بجد وصدق، لكن الظاهرة أصبحت واسعة بما يكفي لتُنتج جيلاً يتدرب على شعار “كيف تتخرج وأنت لا تعرف شيئًا”. اليوم يشتري عرضًا جاهزًا، وغدًا يدير مرفقًا عامًا بنفس الطريقة: “لا أفهم الملف، لكني أوقّع”.
في ختام هذه المسرحية السنوية، يخرج الخريجون “متميزون”، والجمهور يصفق، والستار يُسدل… ثم يُرفع من جديد في العام التالي.
الوقت حان لإسدال الستار نهائيًا على هذا العرض الهزلي. الرقابة الصارمة، والشفافية الحقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية، ليست رفاهية أكاديمية، بل ضرورة وجودية.
ربما حان الوقت لاستبدال المسرحية بتعليم حقيقي. أو على الأقل، لنبدأ بامتحانات يولّدها الذكاء الاصطناعي في لحظة إجرائها، وتصحيح آلي، وتقييم سري للأساتذة. ثورة صغيرة قد تسبب دوارًا شديدًا لبعض أبطال المسرحية الحاليين… لكنها قد تنقذ الجامعة من نفسها.






