الكارح أبو سالم
يستعد قضاة المجلس الأعلى للحسابات لافتحاص ممتلكات الوزراء الذين دخلوا قفص المحاسبة السياسية ايضا ، وذلك تبعا للمقتضيات الدستورية القاضية بإلزام التصريح بالممتلكات عند بداية ونهاية المهام ، ويتعلق الأمر بالسادة وزراء حكومة عزيز أخنوش ورؤساء دواوينهم بعد انقضاء ولايتهم التي امتدّت في الفترة 2021- 2026 ، حيث تباشر الهيئات الرقابية دراسة وتدقيق التصاريح عقب انتهاء المهام الانتخابية والتشريعية في 22 شتنبر المقبل .
لذا ، يلجأ الوزراء – بعضهم – كما رؤساء دواوينهم إلى تحيين المعطيات ، ومراجعة بياناتهم المالية والعقارية والاستعانة بخبراء محاسبين لضبط الوثائق تفاديا لأي مساءلة قانونية ، مما جعل الأنظار تضع الحكومة تحت المجهر الرقمي والرقابي ماليا وسياسيا ، وتركز على تحركات قضاة المجلس الأعلى للحسابات ، هذا المسار يطرح اسئلة جوهرية تتجاوز الشكل الإداري ، لتلامس جوهر الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وكما هو معلوم ، أن للتصريح القبلي بالممتلكات قيمة قانونية عملية ، كما يمثل اجبار كبار المسؤولين على التصريح بالذمة المالية خطوة وقائية ذات حمولة رمزية وقانونية مهمة ، سواءا على مستوى تتبع الثروة او التصريح بها قبلا ، لمقارنة الذمة المالية للمسؤول قبل توليه المهام وبعد مغادرتها ، لرصد اي تضخم غير مبرر في الثروة، وضبط مكمن الخلل ، حيث تظل الفاعلية رهنا بدقة المعطيات المصرح بها ، ومدى شمولية الافتحاص لجميع الممتلكات والأصول المتصلة بالاقارب او الشركات التابعة ، وهو ما يتطلب تقنيات تقص جد متطورة وتنسيقا وثيقا مع المؤسسات المالية والرقابية الأخرى .
فهل ياترى يعد هذا الافتحاص المرتقب بمثابة حسابات انتخابات أم حماية لميزانية الشعب ، فغالبا ما تثار شكوك الرأي العام ، عندما تتقاطع هذه التحركات الرقابية مع الاقتراب من المحطات الانتخابية ، حيث يبرز التساؤل ، هل التحرك بغرض الشفافية أم لغايات سياسوية ؟ فالبعد المؤسساتي يتمثل في كون المجلس الأعلى للحسابات يخضع لتوقيتات وآليات دورية ينص عليها القانون التنظيمي والمخططات السنوية للمجلس ، أما البعد السياسي والإعلامي فيتمثل في المنافسة الشديدة بين الاحزاب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية مما تجعل من نتائج الافتحاص وقودا للسجال السياسي واستعراض الشفافية ، وهو ما قد يغلب الطابع السجاليّ السياسي واستعراض الشفافية ، على الهدف الأصلي المتمثل في الرقابة المستمرة على المال العام .
غير أن التحدي الأكبر ، لا ينحصر فقط في انجاز التقارير ، بل في مصير المخرجات والوصول إلى نتائج ملموسة ، لكون تفعيل العقوبات الجنائية او الإدارية مرتبط بإحالة الملفات ذات الصبغة الحنائية الى السلطة القضائية المختصة والنيابة العامة، غير أن احتجاز أو تأخر نشر نتائج تقارير لجان تقصي الحقائق او الاقتحاصات ، يقلل من ثقة المواطن في نجاعة هذه الآليات ، فالأمر يتطلب شفافية كاملة في تعقب المسار القانوني لكل مخالفة تم رصدها .
اذن ، لاتكتسب عمليات افتحاص الممتلكات قيمتها الحقيقية إلا إذا كانت مستمرة غير موسمية ، ومرتبطة بمتابعات قضائية وشفافية مطلقة تشمل نشر المخرجات للرأي العام لتحويل التصريح بالذمة من مجرد إجراء شكلي إلى أداة ملموسة واقعية حقيقية ، ومقصلة ردع فعلية كما تم عبر محاكمة واحد فقط من بين ترسانة الوزراء الذين مروا من هنا محمد مبديع .
لكن ألم تنتبهوا يا أولي الألباب إلى جهة تحمل من الفضائح والويلات ما أثقل كاهل حمالة الحطب ؟ من يسائل ويحاسب ترسانة نواب الأمة – وياله من مصطلح فج – المجالس المنتخبة والمنتخبين والجهات والصناديق ؟ الا يعنيهم الفصل المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة ؟ فغالبيتهم ربطوا المسؤولية بالفساد والنهب والجشع ، وتراهم الآن يتهافتون للعودة – بلا حشمة بلا حيا – لكن لصناديق الاستحقاقات القادمة هذه المرة المفاجئة ودورها في الحساب والعقاب في انتظار العدالة الالاهية ..






