بقلم الأستاذ / الكاتب الحسن لحويدك .
تؤكد الدراسات السوسيو-اقتصادية الحديثة أن الدول التي تعاملت مع الرياضة بوصفها قطاعا إنتاجيا واستراتيجيا، وليس مجرد نشاط ترفيهي، حققت قفزات نوعية في مؤشرات التنمية البشرية والتنافسية. وفي السياق المغربي، جاء الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في مونديال قطر 2022، إلى جانب نيل شرف استضافة نهائيات كأس العالم 2030 بالمشاركة مع إسبانيا والبرتغال، ليضع المغرب أمام استحقاق وطني عاجل يتمثل في الانتقال من الخطاب الموسمي حول الرياضة إلى تبني سياسة عمومية ممنهجة ومستدامة. وعليه، فإن الرياضة، وخاصة كرة القدم، لم تعد مجرد مباريات ونتائج، بل أصبحت رافعة تنموية متعددة الأبعاد: اقتصادية، اجتماعية، تربوية، صحية، وحضارية ودبلوماسية.

أولا: المردودية الاقتصادية والاستثمار في الرأسمال البشري :
تتجاوز العوائد الاقتصادية للاستثمار في البنية التحتية الرياضية القطاعات التقليدية من حيث سرعة الدوران واتساع الأثر. فكل استثمار موجه لإنشاء وتأهيل الملاعب والمرافق الرياضية يدر عائدا مضاعفا على الاقتصاد الوطني، عبر تحريك قطاعات البناء، الخدمات، النقل، الفندقة، والإعلام… كما أن المرفق الرياضي الواحد يخلق آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، وبالخصوص في أوساط الشباب، مما يسهم في امتصاص البطالة وتقليص الضغط على سوق العمل.
وعلى صعيد أعمق، تشكل الرياضة استثمارا استراتيجيا في الرأسمال البشري. فتكوين اللاعب المغربي المحترف، كما تجسد ذلك في نموذج أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، هو تكوين للإنسان القادر على الانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل ضمن فريق. وهذه كفاءات قابلة للتحويل إلى سوق الشغل خارج الملاعب أيضا.
ثانيا: تجليات الإصلاح المجتمعي عبر الرياضة :
1. الإصلاح الاجتماعي: الوقاية من الانحراف والتهميش :
تمثل ملاعب القرب في الأحياء الشعبية والهامشية فضاء للوقاية الاجتماعية قبل أن تكون مكانا للممارسة. فالشاب المنخرط في تدريب منظم يومي يجد بديلا صحيا عن فضاء الشارع ومخاطره، وعلى رأسها آفة المخدرات والجريمة. وقد أثبتت تجارب العديد من الجمعيات الرياضية قدرتها على خفض نسب الانقطاع المدرسي، عبر ربط الممارسة الرياضية بالتحصيل الدراسي كشرط للانخراط.
2. الإصلاح التربوي والقيمي :
يشكل الملعب مدرسة موازية لغرس القيم الأساسية التي يصعب تلقينها نظريا في القسم الدراسي: احترام القانون المتمثل في حكم المباراة، تقبل الخسارة بروح رياضية، إعلاء قيمة العمل الجماعي على الفردية، والانضباط الذاتي. إنها قيم تكتسب بالممارسة والتكرار، وتصوغ شخصية المواطن المنضبط والمتعاون.
3. الإصلاح الصحي: من العلاج إلى الوقاية :
تشكل الرياضة آلية وقائية ناجعة ضد مجموعة من الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط العيش. وتبني سياسة عمومية تشجع على توقيت رياضي مخصص سيخفف على المدى المتوسط والبعيد من كلفة العلاج التي تثقل كاهل المنظومة الصحية الوطنية.
ثالثا: الرياضة كدبلوماسية ناعمة والوجه الحضاري للمغرب :
أصبحت الرياضة اليوم إحدى أهم أدوات “القوة الناعمة” ، لقدرتها على تجاوز الحسابات السياسية والاقتصادية التقليدية والوصول مباشرة إلى وجدان الشعوب.
1. صناعة الصورة الإيجابية على البلاد :
لم يكن فوز المنتخب المغربي على إسبانيا والبرتغال في مونديال 2022 مجرد انتصار رياضي، بل كان بمثابة سفير غير رسمي للمغرب في القارات الخمس. فقد دفعت تلك النتائج ملايين المتابعين حول العالم للبحث عن المغرب جغرافيا وتاريخيا وثقافيا، محققة بذلك دعاية سياحية وحضارية فاقت مفعول حملات ترويجية بميزانيات ضخمة.
2. جسر للتواصل بين الثقافات :
عندما يحترف لاعب مغربي في الدوريات الاروبية مثلا، فإنه يتحول إلى سفير للثقافة المغربية. اسمه، وطريقة احتفاله، وارتباطه بوطنه، كلها رسائل حضارية تصل إلى ملايين المشاهدين دون حاجة إلى مترجم أو خطاب دبلوماسي.
3. تعزيز العلاقات الثنائية:
إن مشروع استضافة كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال هو في جوهره مشروع دبلوماسي متقدم. فالملعب والمدن المستضيفة ستتحول إلى فضاء للحوار الثقافي ونسج الشراكات الاقتصادية الجديدة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
4. تعزيز الانتماء والوحدة الوطنية:
لحظة ترديد النشيد الوطني في المحافل الدولية توحد وجدان المغربي في طنجة مع نظيره في الكويرة، متجاوزة الفوارق الجهوية والعرقية والطبقية. الرياضة بذلك تذيب الخلافات وتقوي اللحمة الوطنية والشعور بالفخر الجماعي.
5. التسويق السياحي:
إن نقل كاميرات البث العالمي للملاعب المغربية والمدن المحيطة بها يمثل إعلانا سياحيا مجانيا وعالي المصداقية. فالمشجع الذي يزور المغرب لمتابعة مباراة، سيعود لاحقا سائحا رفقة عائلته لاستكشاف ما تزخر به البلاد من مؤهلات.
وانطلاقا مما سبق، فإن التسريع بالاهتمام بالقطاع الرياضي لم يعد خيارا، بل ضرورة وطنية ملحة. ولتحقيق ذلك من الأفيد إحداث وزارة منتدبة أو وكالة وطنية للاستثمار الرياضي تعنى بالقطاع بوصفه قطاعا اقتصاديا إنتاجيا، وتضع له خارطة طريق استثمارية واضحة.
وأيضا إلزام الجماعات الترابية بتخصيص نسبة محددة من ميزانياتها السنوية لإنشاء ملاعب القرب وصيانة الفضاءات الرياضية، باعتبارها خدمة عمومية أساسية.
كما ان إدماج “الدبلوماسية الرياضية” ضمن استراتيجية وزارة الشؤون الخارجية، سيحقق بواسطة الرياضيين المغاربة بمثابة سفراء غير رسميين للمغرب.
وبخصوص إدراج مراجعة المناهج الدراسية لإدماج الرياضة ليس كحصة أسبوعية شكلية، بل كمنهج قيمي وسلوكي عرضي يرافق التلميذ في مختلف الأسلاك التعليمية ، يبقى ضرورة حتمية لتحقيق هذه الغاية .
خلاصة القول: إن من يريد بناء وطن قوي ومنتج وسليم وخلوق، فعليه أن يراهن على القطاع الرياضي. ومن يطمح إلى دبلوماسية ناجحة ومؤثرة، فعليه أن يصنع أبطالا رياضيين ناجحين. فالرياضة اليوم مجال ضروري وطنيا واجتماعيا وتنمويا وحضاريا ودبلوماسيا ، والتسريع بالارتقاء بها وإيلائها العناية التي تستحقها هو استثمار رابح في مغرب الغد مغرب الوحدة و التحدي.






