بقلم : سيداتي بيدا
ليست كل الصفعات تأتي من الأقدام، فبعضها يخرج من الأفواه.
وهذا تماماً ما فعله زلاتان إبراهيموفيتش حين اختار أن يضع إصبعه على جرحٍ ظلّت الكرة الأوروبية تحاول إخفاءه خلف الألقاب والإحصائيات.
تصريحاته لم تكن مجاملة لإفريقيا، بل كانت لائحة اتهام بحق كرة قدم تحولت، في كثير من ملاعب أوروبا، إلى هندسة مملة تُدار بالحاسوب أكثر مما تُدار بالموهبة.
استحواذ عقيم، وتمريرات بلا روح، ومدربون يقتلون الإبداع باسم “الانضباط التكتيكي”، حتى غدت المباريات أقرب إلى محاضرات في الرياضيات منها إلى مهرجان كروي.
في المقابل، جاءت المنتخبات الإفريقية لتنسف هذه الوصاية الكروية. المغرب، جنوب إفريقيا، والسنغال، لم يحملوا معهم عقدة النقص التي حاول الإعلام الأوروبي ترسيخها لعقود، بل حملوا الجرأة والسرعة والشخصية. لم يأتوا لالتقاط الصور مع الكبار، بل لإزاحتهم من الطريق.
حين أشاد زلاتان بالمغرب باعتباره مدرسة في التحكم بالكرة، وبجنوب إفريقيا كنموذج للهجمات الخاطفة، لم يكن يوزع شهادات تقدير، بل كان يعلن أن مركز الثقل الكروي بدأ يتحرك جنوباً، وأن إفريقيا لم تعد مصنعاً للمواهب التي تُصدَّر إلى أوروبا، بل أصبحت قارة قادرة على إنتاج منتخبات تنافس وتُربك وتنتصر.
أما حديثه عن نيجيريا، وعن اللاعبين ذوي الأصول الإفريقية الذين اختاروا تمثيل منتخبات أوروبية، فكان رسالة أكثر عمقاً من مجرد أمنية. إنها إشارة إلى أن أوروبا بنت جانباً من تفوقها على كنز بشري إفريقي، ثم ادعت لاحقاً أن التفوق صناعة أوروبية خالصة.
المفارقة الساخرة أن بعض الأصوات الأوروبية ما زالت تتعامل مع كل انتصار إفريقي وكأنه “مفاجأة”، بينما الحقيقة أن المفاجأة الوحيدة هي استمرار هذا الغرور رغم تغير الوقائع. فالكرة لا تعترف بلون القميص ولا بتاريخ المتاحف، بل بمن يفرض شخصيته فوق المستطيل الأخضر.
كأس العالم 2026 لا يكتب فقط نتائج المباريات، بل يعيد كتابة موازين القوة. وإذا كانت أوروبا قد اعتادت احتكار منصة الخطابة، فإن إفريقيا اختارت المنصة الأصعب
أرضية الملعب. وهناك، لا قيمة للشعارات، ولا مكان للأساطير القديمة، ولا احترام إلا لمن ينتصر.
ويبدو أن زلاتان، كعادته، قال بصوت مرتفع ما يخشى كثيرون الاعتراف به همساً
عصر الاحتكار الأوروبي يتصدع، وإفريقيا لم تعد تطلب مقعداً بين الكبار
بل تنازعهم على العرش.






