الحلقة الثانية:
الحاج موسى سعيد : أول من حمل أمانة المدينة بعد الاستقلال
لا يمكن كتابة تاريخ مدينة الجديدة دون العودة إلى الرجال الذين وضعوا اللبنات الأولى لتدبيرها بعد الاستقلال. فالتاريخ ليس مجرد أسماء تعاقبت على رئاسة المجلس البلدي، بل هو قصة مدينة خرجت من عهد الحماية لتدخل عهد الدولة الوطنية، بكل ما حمله ذلك من آمال وتحديات.
لم يكن استقلال المغرب سنة 1956 مجرد رفع علم وإنزال آخر، ولا مجرد رحيل إدارة استعمارية وحلول إدارة وطنية محلها، بل كان ميلاد دولة حديثة بمؤسساتها وإدارتها وقوانينها. وكانت الجماعات المحلية من أولى المؤسسات التي وجب مغربتها، حتى تصبح المدن تُدار بأبنائها، لا بالمراقبين المدنيين الفرنسيين.
وكانت الجديدة، أو مازاغان كما كانت تُعرف خلال فترة الحماية، من أهم المدن المغربية آنذاك. فقد كانت مدينة مينائية وتجارية، تضم إدارة حديثة نسبيًا وإقليم دا طابع قروي ،وبنية تحتية ورثتها عن الإدارة الاستعمارية، لكنها كانت مطالبة بالانتقال إلى تدبير وطني يقوده المغاربة لأول مرة.
غير أن الاستقلال لم يكن يعني نهاية الصراع السياسي، بل بداية مرحلة جديدة من التنافس حول بناء الدولة وتوزيع السلطة. فقد بدأت الخلافات تظهر داخل الحركة الوطنية، ثم انقسمت الساحة السياسية بين حزب الاستقلال والتيارات التي ستؤسس لاحقًا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بينما كانت المؤسسة الملكية تعمل على ترسيخ أسس الدولة الحديثة.
وفي هذا السياق، شهد المغرب أول انتخابات جماعية بعد الاستقلال سنة 1960، والتي شكلت أول امتحان حقيقي للديمقراطية المحلية.
وقد عرفت هذه الانتخابات مشاركة أبرز الأحزاب الوطنية، وكانت نتائجها على الصعيد الوطني على النحو الآتي:
حزب الاستقلال: تصدر الانتخابات بحصوله على حوالي 40% من مجموع المقاعد.
الاتحاد الوطني للقوات الشعبية: جاء في المرتبة الثانية بحوالي 23% من المقاعد.
الحركة الشعبية: التي تأسست سنة 1959، احتلت المرتبة الثالثة بحوالي 7% من المقاعد.
أحزاب وهيئات أخرى ومستقلون: من بينهم مرشحون من حزب الشورى والاستقلال، إضافة إلى عدد من الأعيان والشخصيات المحلية المستقلة.
أما بمدينة الجديدة، فقد أسفرت تلك المرحلة عن انتخاب الحاج موسى سعيد أول رئيس للمجلس البلدي بعد الاستقلال، ليصبح أول من حمل مسؤولية تدبير المدينة باسم الدولة المغربية المستقلة.
ولم يكن الحاج موسى سعيد يتسلم مدينة جاهزة، ولا إدارة مستقرة، ولا ميزانية مريحة، بل وجد نفسه أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في ضمان استمرار المرافق العمومية، ومغربة الإدارة المحلية، وتنظيم أول تجربة للتدبير الجماعي الوطني في مدينة كانت بالأمس القريب تخضع لإدارة الحماية.
كانت الإمكانيات محدودة، والأطر المغربية قليلة، كما كانت أغلب الصلاحيات والقرارات الاستراتيجية بيد السلطة المركزية، وهو ما جعل هامش تحرك المجالس البلدية آنذاك أضيق بكثير مما هو عليه اليوم. لذلك فإن تقييم تجربة الحاج موسى سعيد ينبغي أن يتم في ضوء سؤال جوهري:
كيف يمكن بناء مدينة في دولة ما تزال تبني نفسها؟
لقد كان الرهان الأول لذلك الجيل هو ضمان استمرارية المرفق العمومي، وإرساء إدارة جماعية مغربية، والمحافظة على الخدمات الأساسية، أكثر من إطلاق مشاريع كبرى كانت تتطلب إمكانيات مالية وتقنية لم تكن متوفرة بعد.
ومع الأسف، فإن الأرشيف المنشور عن الحاج موسى سعيد ما يزال محدودًا، فلا نجد سيرته الذاتية كاملة، ولا تفاصيل دقيقة عن مساره المهني أو السياسي، كما أن محاضر المجلس البلدي خلال تلك المرحلة لم تنل ما تستحقه من الدراسة والنشر. وهذا يفرض على الباحثين والمؤرخين العودة إلى أرشيف وزارة الداخلية، ومحاضر الجماعة، والصحافة الوطنية والمحلية، حتى تستعيد الجديدة جزءًا من ذاكرتها المفقودة.
لكن ندرة الوثائق لا تعني غياب الدور التاريخي. فمجرد نجاح أول مجلس بلدي مغربي في تدبير مرحلة الانتقال من الإدارة الاستعمارية إلى الإدارة الوطنية يُعد في حد ذاته إنجازًا يستحق التقدير. لقد كان ذلك الجيل يؤسس للمؤسسة قبل أن يؤسس للمشاريع، ويبني الإدارة قبل أن يبني الأرصفة والساحات.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا يتحول احترام الرواد إلى إعفاء من التقييم. فالمؤرخ لا يكتفي بسرد الأسماء، بل يطرح الأسئلة أيضًا:
هل كانت الإمكانيات المحدودة وحدها سبب بطء وتيرة التنمية؟
وهل استثمرت الجديدة منذ البدايات مؤهلاتها البحرية والتجارية والفلاحية بما يكفي لتكون قطبًا اقتصاديًا كما كانت تؤهلها مكانتها؟
وهل وُضعت في تلك المرحلة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، أم أن تدبير الشأن المحلي ظل محكومًا بضرورات المرحلة الانتقالية؟
إن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الحاج موسى سعيد ولا من قيمة جيله، وإنما تساعد على فهم الظروف التي تشكلت فيها الجديدة الحديثة.
لقد كان الحاج موسى سعيد أول من حمل أمانة المدينة بعد الاستقلال، وأول من جلس على كرسي رئاسة مجلسها البلدي في عهد الدولة الوطنية. وقد لا يكون ترك وراءه أرشيفًا غنيًا بالمشاريع الموثقة، لكن يكفيه أنه كان من رجال مرحلة التأسيس، وهي أصعب المراحل في تاريخ أي مؤسسة.
وسيظل من الإنصاف أن يُذكر اسمه كلما ذُكر تاريخ تدبير الشأن المحلي بالجديدة، لأن الرجال الذين يضعون الأساس لا ينالون دائمًا ما يناله من يبني فوقه، مع أن البناء كله يقوم على ما شيدوه.
وفي هذه السلسلة، لن يكون الهدف تمجيد الأشخاص ولا الانتقاص منهم، بل إعادة قراءة تاريخ المجالس البلدية بمدينة الجديدة قراءة علمية وموضوعية، تستند إلى الوثيقة كلما وُجدت، وإلى الشهادة الموثوقة كلما أمكن، مع التمييز بين الحقيقة التاريخية والرواية المتداولة.
في الحلقة الثالثة سننتقل إلى المجلس الذي خلف الحاج موسى سعيد، برئاسة عبد الكريم الخطيب ونقف عند مسار الرجل والتحولات السياسية والإدارية التي عرفتها المدينة، وأثرها في مسار التنمية المحلية، لنواصل معًا كتابة تاريخ الجديدة مجلسًا بعد مجلس، ورئيسًا بعد رئيس، حتى تكتمل صورة سبعين سنة من تدبير الشأن المحلي
#وابغيتبلادي د إبراهيم عروش الدريسي






