بقلم/ سيداتي بيدا
في عالم يفترض أن تحكمه القوانين والضوابط الدبلوماسية الصارمة، تبدو بعض الفضائح أكثر خطورة من مجرد ملفات فساد عابرة، لأنها تضرب في عمق الثقة العامة وتكشف هشاشة الرقابة داخل مؤسسات يفترض أنها تمثل هيبة الدولة وسيادة القانون.
هذا بالضبط ما تعكسه القضية التي هزت الأوساط السياسية والإدارية في إسبانيا عقب تفجر فضيحة مدوية داخل القنصلية الإسبانية بالجزائر، حيث تحولت التأشيرة، وفق ما تشير إليه التحقيقات، من وثيقة قانونية منظمة للهجرة والتنقل إلى سلعة خاضعة لمنطق السمسرة والربح غير المشروع.
وتضع التحقيقات الجارية فسينتي مورينو، المسؤول السابق بالقنصلية الإسبانية في الجزائر العاصمة، في قلب شبكة يشتبه في تورطها في تسهيل الحصول على التأشيرات بطرق غير قانونية مقابل مبالغ مالية، ضمن منظومة منظمة يعتقد أنها استفادت من أحلام آلاف الراغبين في السفر نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
الخطير في هذه القضية ليس فقط طبيعة التهم الموجهة إلى المتورطين، بل الجهة التي كشفتها. فالأمر لم ينبع من مزايدات سياسية أو تسريبات إعلامية ظرفية، وإنما جاء نتيجة تحقيقات أمنية وقضائية واسعة النطاق أشرفت عليها أجهزة مختصة في مكافحة الفساد والجريمة الاقتصادية والهجرة غير الشرعية، تحت رقابة النيابة المختصة.
وتكشف المعطيات المتداولة عن صورة مقلقة لممارسات يشتبه في أنها استغلت حاجة المواطنين وطموحاتهم المشروعة في السفر والعمل، حيث يصبح النفوذ الإداري أداة للمتاجرة بالفرص، ويتحول الحق القانوني إلى امتياز يباع لمن يملك القدرة على الدفع.
وتشمل الاتهامات المتداولة جرائم ثقيلة تتراوح بين الاحتيال والتزوير والانتماء إلى تنظيم إجرامي وغسيل الأموال، وهي مؤشرات لا تعكس مجرد انحراف فردي، بل تثير تساؤلات عميقة حول فعالية أنظمة المراقبة الداخلية وآليات التدقيق المعتمدة داخل بعض التمثيليات الدبلوماسية.
إن أخطر ما تفرزه مثل هذه الفضائح ليس حجم الأموال المتداولة ولا عدد المتورطين المحتملين، بل الضرر المعنوي الذي يلحق بصورة المؤسسات نفسها. فعندما تصبح الجهة المكلفة بحماية القانون متهمة بالالتفاف عليه، تتآكل الثقة العامة وتتراجع مصداقية الخطاب الرسمي حول الشفافية والنزاهة.
فضيحة القنصلية الإسبانية بالجزائر ليست مجرد ملف جنائي مفتوح أمام القضاء، بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات الديمقراطية على محاسبة المسؤولين مهما كانت مواقعهم.
فالدول القوية لا تُقاس بخلوها من الفساد، وإنما بقدرتها على كشفه ومواجهته دون تردد حماية أو حصانة.






