البلدية لا تعطي عقد ملكية لأحد :الطاهر المصمودي وتسع سنوات على رأس الجديدة
في تاريخ بلدية الجديدة أسماء مرّت سريعًا، وأخرى أقامت طويلًا حتى كاد الكرسي يحفظ مقاسها. ومن هؤلاء الطاهر المصمودي، الذي ارتبط اسمه بتدبير المدينة من أعقاب انتخابات 1983 إلى انتخابات 1992.
جاء المصمودي في زمن سياسي مختلف؛ فالمغرب كان يعيش سنوات الأزمة الاقتصادية والتقويم الهيكلي والاحتقان الاجتماعي، وفي سنة 1983 ظهر الاتحاد الدستوري بقيادة المعطي بوعبيد، وصعد بسرعة، وكان المصمودي أحد أبرز وجوهه في الجديدة.
ولم يكن الرجل منتخبًا محليًا فقط؛ فقد انتُخب سنة 1984 نائبًا برلمانيًا عن دائرة الجديدة، ثم وصل لاحقًا إلى منصب وزير التجارة والصناعة . أي إن الجديدة كان يرأس مجلسها رجل له قدم في البلدية وأخرى في السياسة الوطنية.
أما معركة الوصول إلى الكرسي، فكانت أمام خصم ثقيل هو محمد أرسلان الجديدي. وتحفظ الذاكرة المحلية واحدة من طرائف انتخابات 1983: طائرة تلقي المناشير البرتقالية للاتحاد الدستوري فوق المدينة. لم يكن فيسبوك قد وصل بعد، فكانت الدعاية تنزل على الناخبين من السماء!
وفاز المصمودي، وغادر أرسلان الرئاسة.
وخلال سنوات المصمودي كانت الجديدة تكبر وتتوسع، بينما كان الجرف الأصفر يرسخ مكانته قطبًا صناعيًا وطنيًا. لكن الإنصاف يفرض التمييز بين ما أنجزته البلدية وما أنجزته الدولة؛ فليس كل طريق فُتح في عهد رئيس من صنع الرئيس، ولا كل بناية ارتفعت شهادةً على عبقريته في التدبير.
ويحسب لمجلس المصمودي اهتمامه بالثقافة أيضًا، ومن أبرز الأمثلة تنظيم ندوة :قراءات في فكر عبد الكبير الخطيبي: سنة 1990، في زمن كانت فيه البلدية تستطيع أن تتذكر أن للمدينة مثقفين أيضًا، لا أن تختزل الثقافة في منصة ومكبرات صوت ومطرب يسأل الجمهور: واش ناشطين؟
لكن تسع سنوات مدة طويلة، ومن حق الجديديين أن يسألوا:
كيف وجد المصمودي الجديدة، وكيف تركها؟
كانت المدينة قد توسعت، نعم، لكنها ظلت تعتمد في أوراشها الكبرى على الدولة أكثر من اعتمادها على قوة جماعتها. لذلك لا يجوز أن نصنع من المصمودي بطلًا لكل ما تحقق، كما لا يجوز تحميله وحده كل ما لم يتحقق.
ثم جاءت انتخابات 1992، وعاد أرسلان الجديدي.
الرجل الذي خرج عندما دخل المصمودي، عاد ليدخل عندما خرج المصمودي!
وهنا يقدم لنا التاريخ المحلي درسًا ربما يصلح حتى لمنتخبي اليوم:
البلدية لا تعطي عقد ملكية لأحد.
قد تفوز، وقد تجمع حولك أغلبية، وقد تصبح نائبًا ووزيرًا، وقد تجلس على الكرسي تسع سنوات حتى تعتقد أن عنوان البلدية أصبح مكتوبًا في بطاقتك الوطنية…
ثم تأتي الانتخابات.
دخل المصمودي البلدية منتصرًا على أرسلان، وبعد نحو تسع سنوات خرج منها ليجد أرسلان عائدًا إلى الكرسي.
تغير الرئيس، وتغير الحزب، وتغير لون المنشورات…
وبقيت الجديدة.
لأن الكرسي البلدي، مهما طال الجلوس عليه، يبقى كرسيًا بالإيجار السياسي؛ الناخب يسلمك المفاتيح، لكنه لا يسلمك عقد الملكية
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






