بقلم : حاطب عبد الكريم
يشكل معمل كوسومار بإقليم سيدي بنور واحداً من أبرز المشاريع الاقتصادية والصناعية بالمنطقة، بالنظر إلى حجم إنتاجه المرتبط بسلسلة الشمندر السكري وما يواكبها من استغلال لآلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية، فضلاً عن العائدات المالية المهمة التي يحققها هذا النشاط الحيوي ودوره في دعم الاقتصاد الوطني والمحلي.
غير أن حجم هذه المؤشرات الاقتصادية يدفع العديد من الفاعلين والمهتمين بالشأن المحلي إلى التساؤل حول مدى انعكاس هذه القوة الاقتصادية على التنمية الاجتماعية والثقافية بالإقليم، ومدى مساهمة المؤسسة في تحسين ظروف عيش الساكنة وتعزيز فرص الإدماج الاقتصادي لفئات واسعة من الشباب والنساء.
فبالرغم من المكانة التي تحتلها كوسومار في النسيج الاقتصادي الوطني، يظل الرأي العام المحلي يتطلع إلى مبادرات أكثر حضوراً وفعالية في مجالات التشغيل، ودعم المشاريع المدرة للدخل، ومواكبة الأسر في وضعية هشاشة، فضلاً عن الاستثمار في برامج موجهة للأطفال والشباب، بما في ذلك إحداث ملاعب للقرب وفضاءات الترفيه والتنشيط الثقافي والرياضي.
وفي المقابل، يطرح متتبعون للشأن العام المحلي تساؤلات حول الأدوار المنتظرة من مختلف المتدخلين، من مجالس منتخبة وسلطات محلية وإقليمية، في بناء شراكة حقيقية مع هذه المؤسسة الاقتصادية الكبرى، بما يضمن توجيه جزء من الدينامية الاقتصادية التي يخلقها المعمل نحو مشاريع تنموية ملموسة تستجيب لحاجيات الساكنة في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل والبيئة والعمل الاجتماعي.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في حجم الإنتاج أو قيمة المعاملات المالية، بل في قدرة مختلف الفاعلين على تحويل هذه الثروة الاقتصادية إلى قيمة مضافة اجتماعية وتنموية يشعر بها المواطن في حياته اليومية، بما يعزز العدالة المجالية ويجعل من إقليم سيدي بنور نموذجاً للتنمية المرتبطة بالاستثمار المنتج والمسؤول.
وفي خضم الحديث عن الأدوار الاقتصادية التي يضطلع بها معمل كوسومار بسيدي بنور، تبرز بقوة إشكالية المسؤولية البيئية للمؤسسة، خاصة في ظل التحولات العالمية التي جعلت من قضايا المناخ والتلوث وحماية البيئة أولوية قصوى لدى الحكومات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى.
ففي الوقت الذي تخصص فيه المنتديات والقمم الدولية حيزاً واسعاً لمناقشة تحديات التغيرات المناخية والحد من الانبعاثات الملوثة، يتساءل عدد من المتتبعين للشأن المحلي عن مدى مساهمة المعمل في تنزيل مقاربة بيئية متقدمة تحافظ على جودة الهواء والمجال البيئي بالمدينة.
وتزداد هذه التساؤلات مع ما يلاحظه مواطنون من انبعاثات دخانية خلال فترات الإنتاج، الأمر الذي يثير مخاوف مرتبطة بالأثر البيئي والصحي المحتمل، ويدفع إلى المطالبة بمزيد من التواصل والشفافية بشأن التدابير المعتمدة لمعالجة الانبعاثات واحترام المعايير البيئية الوطنية والدولية.
فهل تتوفر المؤسسة على استراتيجية بيئية واضحة المعالم تستجيب لرهانات التنمية المستدامة؟ وما حجم الاستثمارات المخصصة لتقليص الآثار البيئية للنشاط الصناعي؟ وما هي المبادرات التي يمكن أن تساهم في تحسين المشهد البيئي بالمدينة من خلال دعم التشجير وتوسيع المساحات الخضراء والمحافظة على جودة الهواء؟
إنها أسئلة مشروعة تفرضها مكانة المؤسسة وحجم نشاطها الاقتصادي، كما تفرضها تطلعات الساكنة إلى تنمية متوازنة تجعل من الاستثمار الصناعي رافعة للإقلاع الاقتصادي وشريكاً في حماية البيئة وصون حق الأجيال الحالية والمقبلة في العيش داخل محيط سليم ومستدام.






