الحلقة الرابعة:
#أرسلان_الجديدي_لماذا_بقي_في_ذاكرة_الجديدة؟
حين يُكتب تاريخ المجالس البلدية بمدينة الجديدة، يبرز اسم محمد أرسلان الجديدي باعتباره واحدًا من أقوى رؤسائها، بل إن كثيرين يعتبرونه من أفضل من تولوا تدبير المدينة. فقد ترأس المجلس البلدي خلال فترتين متباعدتين: من 1976 إلى 1983، ثم عاد إلى الرئاسة من 1992 إلى 1997، وهي عودة تؤكد أن حضوره السياسي والمحلي لم يكن عابرًا.
لم يكن أرسلان رئيس بلدية تقليديًا؛ فقد جمع بين العمل النقابي والبرلماني والوزاري والمسؤولية المحلية، وكان يتمتع بوزن سياسي وعلاقات داخل مؤسسات الدولة مكّنته من إيصال ملفات الجديدة إلى الرباط والترافع عنها أمام الإدارة المركزية.
ولعل أبرز ما ميّز تجربته قدرته على استقطاب مؤسسات ومشاريع إلى المدينة، خصوصًا في مجالات التعليم والتكوين والصحة. فقد ارتبط اسمه بالترافع من أجل تعزيز المكانة الجامعية للجديدة وإحداث جامعة شعيب الدكالي، كما شهدت مرحلته إحداث أو دعم مؤسسات للتكوين، من بينها المركز التربوي الجهوي، ومعهد التكنولوجيا والمدرسة الفندقية، إلى جانب مؤسسة صحية متعددة التخصصات.
وعلى مستوى التدبير الحضري، شهدت ولايته الأولى نقل المحطة الطرقية إلى حي الصفاء سنة 1980، كما حصلت الجديدة سنة 1979 على جائزة للنظافة، وهي مفارقة قد تجعل الجديدي اليوم ينظر إلى صورة مدينته الحالية ثم يسأل بحسرة: هل كنا نتقدم إلى الأمام أم كنا فقط نغير اتجاه السير؟
غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي التنبيه إلى أن هذه المشاريع لم تكن كلها مشاريع بلدية أنجزها المجلس من ميزانيته، فعدد منها كان تابعًا للدولة ووزاراتها ومؤسساتها العمومية. وربما كان إنجاز أرسلان الحقيقي هنا هو قدرته على استعمال ثقله السياسي لجلب نصيب الجديدة من المشاريع، في زمن كان فيه الهاتف الذي يصل إلى مكتب وزير قد يكون أحيانًا أهم من عشرات المراسلات الإدارية.
كما عُرف بقوة شخصيته في التعامل مع السلطة المحلية. ولعل العبارة المنسوبة إليه خلال خلافه مع العامل أحمد عرفة: (الجديدة ديالي ماشي ديالك )، سواء أُخذت بحرفيتها أو باعتبارها جزءًا من الذاكرة الشفوية للمدينة، تختصر صورة الرئيس الذي كان يعتبر نفسه ممثلًا للمدينة أمام السلطة، لا مجرد منتخب ينتظر تعليماتها.
لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألا نحول الرجل إلى أسطورة بلا أخطاء.
فالجديدة خلال فترتي رئاسته لم تتخلص من اختلالاتها العمرانية والاجتماعية، وظلت الفوارق بين أحيائها قائمة، كما لم تستثمر المدينة بما يكفي موقعها الجغرافي وميناءها ومحيطها الصناعي والفلاحي لتتحول إلى قطب اقتصادي جهوي بالحجم الذي تسمح به إمكاناتها.
ويمكن توجيه نقد آخر إلى تجربته: فرجل بذلك الوزن الوطني والسياسي كان يستطيع ربما أن يترك مشروعًا حضريًا بعيد المدى يحدد مستقبل الجديدة لعقود، بدل أن تبقى تنميتها مرتبطة بمشاريع متفرقة وبمبادرات تتغير بتغير المسؤولين.
كما أن بعض المشاريع عرفت التعثر، وهو ما يؤكد أن قوة الرئيس لا تعني بالضرورة نجاح كل شيء. ولذلك يجب عند تقييم حصيلته أن نعطي لأرسلان ما لأرسلان، وللدولة ما للدولة، وللمجلس ما للمجلس، ولمن سبقه أو جاء بعده ما لهم وما عليهم.
ومع ذلك، بقي أرسلان في ذاكرة الجديديين، ربما لأنه جمع ثلاثة أشياء افتقدتها المدينة كثيرًا بعده: قوة الشخصية، والوزن السياسي، والقدرة على الدفاع عن المدينة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال: هل كان أرسلان الجديدي أحسن رئيس بلدية في تاريخ الجديدة؟
بل السؤال الأكثر قسوة هو: لماذا لم تستطع الجديدة، بعد كل هذه السنوات، أن تجعلنا نتوقف عن البحث في ماضيها عن رئيس أفضل من رؤساء حاضرها؟
فأحيانًا لا تكبر صورة رجل فقط بما أنجزه، بل تكبر أيضًا بما عجز الذين جاؤوا بعده عن إنجازه.
وهكذا يبقى الحكم لأهل الجديدة: هل كان أرسلان الجديدي أكفأ رئيس في تدبير الشأن بالفعل، أم أن الذين جاؤوا بعده هم الذين جعلوه يبدو كذلك ؟
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






