بقلم: كريم حاطب
لم يعد المشهد البيئي بمصب نهر أم الربيع بين مدينتي أزمور وسيدي علي بن حمدوش مجرد اختلال عابر أو أزمة موسمية مرتبطة بعوامل طبيعية، بل تحول إلى كارثة بيئية حقيقية تهدد أحد أهم الأنهار بالمملكة، وتضع علامات استفهام كبرى حول مآل هذا الموروث الطبيعي الذي ظل لعقود يشكل مصدر حياة ورزق لآلاف الأسر بالمنطقة.
فالمتتبع للوضع الحالي للمصب يقف أمام مشاهد صادمة تتمثل في تراكم كميات هائلة من الرمال التي غيرت معالم المصب بشكل لافت، وتراجع منسوب المياه، وتدهور التنوع البيولوجي، فضلاً عن الآثار التي خلفتها عمليات تصريف المياه العادمة المعالجة في مجرى النهر، والتي سبق أن تسببت في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك في واقعة أثارت حينها استياء الرأي العام المحلي والوطني.
اليوم، وبعد سنوات من التحذيرات والمراسلات والنداءات المتكررة، يبدو أن الوضع يتجه نحو مزيد من التدهور في ظل غياب تدخلات جذرية قادرة على إعادة الاعتبار لهذا الفضاء البيئي الحيوي. فالنهر الذي كان يشكل رئة طبيعية للمنطقة ومقصداً لعشاق الطبيعة والصيد والسياحة البيئية، أصبح يعاني من اختلالات متراكمة تهدد استمراريته ووظائفه الطبيعية والاقتصادية.
ولا يقتصر تأثير هذا الوضع على الجانب البيئي فحسب، بل يمتد ليشمل البعد الاجتماعي والاقتصادي، حيث تضررت أنشطة الصيد التقليدي بشكل كبير، وتراجعت جاذبية المنطقة السياحية، فيما وجد العديد من المهنيين وأصحاب القوارب أنفسهم أمام واقع صعب يهدد مصادر عيشهم واستقرار أسرهم.
الأكثر إثارة للاستغراب أن هذا الملف ظل حاضراً في النقاش العمومي منذ سنوات، كما كان موضوع دراسات ولقاءات ومذكرات متعددة، غير أن الواقع الميداني يؤكد أن أغلب تلك المبادرات لم تنعكس بالشكل المطلوب على وضعية المصب، الذي ما يزال ينتظر مشروعاً حقيقياً للإنقاذ يرقى إلى حجم التحديات المطروحة.
إن مصب نهر أم الربيع لا يقل أهمية عن باقي المصبات الكبرى بالمملكة التي حظيت ببرامج تأهيل وتثمين واسعة، وفي مقدمتها مصب نهر أبي رقراق، وهو ما يجعل الساكنة والفاعلين المدنيين يتساءلون عن أسباب استمرار هذا التأخر في إطلاق مشروع متكامل يعيد الحياة إلى هذا المجال الطبيعي ويضعه في صلب السياسات العمومية المرتبطة بالبيئة والتنمية المستدامة.
وأمام هذا الواقع المقلق، بات من الضروري أن تتحمل كافة الجهات المعنية مسؤولياتها كاملة، من وزارة التجهيز والماء ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ووكالة الحوض المائي والسلطات الترابية والجماعات الترابية والمؤسسات المنتخبة، من أجل بلورة خطة استعجالية ومستدامة لإنقاذ النهر ومصبه من التدهور المتواصل.
فإنقاذ نهر أم الربيع ليس مطلباً فئوياً أو محلياً ضيقاً، بل هو قضية بيئية وتنموية ووطنية بامتياز، تتعلق بحماية ثروة طبيعية تشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية للمنطقة ومن الرصيد البيئي للمغرب. وكل تأخير في اتخاذ القرارات اللازمة لن يؤدي إلا إلى تعميق حجم الأضرار ورفع كلفة الإصلاح مستقبلاً.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل، ومن لغة الوعود إلى منطق الإنجاز، حتى يستعيد نهر أم الربيع مكانته كشريان للحياة والتنمية، لا كنموذج صارخ لتدهور البيئة وإهدار الثروات الطبيعية.






