بقلم: رفيق خطاط
لم تعد مظاهر العنف التي بدأت تطفو على السطح بمدينة سيدي بنور، من قبيل المشاجرات الجماعية، واستعمال الأسلحة البيضاء في بعض الفضاءات العامة، مجرد وقائع معزولة تمر مرور الكرام. فالأمر أصبح يطرح سؤالاً عميقاً حول واقع الأمن المجتمعي، وحول التحولات التي يعرفها سلوك بعض الفئات الشابة، وما يرافق ذلك من إحساس متزايد لدى الساكنة بالقلق والخوف على سلامة الأحياء والفضاءات العمومية.
إن تنامي هذه الظواهر لا يمكن اختزاله فقط في الجانب الأمني أو في تصرفات أفراد اختاروا طريق الانحراف، بل هو نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وتربوية معقدة، تعكس وجود اختلالات تحتاج إلى قراءة هادئة ومسؤولة بعيداً عن المقاربات السطحية أو الحلول الظرفية.
فالشباب، الذين يشكلون قوة المجتمع ومستقبله، يجد جزء منهم نفسه أمام واقع صعب عنوانه الأكبر هو الفراغ. فراغ على مستوى فرص الشغل، وفراغ في فضاءات التأطير الثقافي والرياضي، وفراغ في المشاريع التي تمنح الأمل وتفتح آفاق المستقبل. وحين يغيب التأطير الإيجابي، يصبح الشارع بديلاً، وتصبح بعض السلوكات المنحرفة طريقاً سهلاً للتعبير عن الغضب أو إثبات الذات بطريقة خاطئة.
ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه الظروف الاجتماعية الصعبة في تعميق هذه الإشكالات، حيث أصبحت العديد من الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة تحد من قدرتها على المتابعة والمراقبة، في وقت تواجه فيه المدرسة بدورها تحديات كبيرة مرتبطة بالهدر المدرسي وضعف الإدماج.
كما أن غياب أو محدودية المرافق السوسيو-ثقافية والرياضية بمدينة سيدي بنور يزيد من تعقيد الوضع، فالشباب يحتاج إلى فضاءات تحتضن طاقاته وتوجهها نحو الإبداع والرياضة والعمل التطوعي، وليس فقط إلى حملات ظرفية تأتي بعد وقوع الحوادث.
وفي خضم هذا النقاش، يبقى السؤال الأساسي: من يتحمل مسؤولية هذا الوضع؟
الإجابة لا يمكن أن توجه إلى جهة واحدة فقط، لأن الأمن المجتمعي مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة، والمدرسة، والمجتمع المدني، والمؤسسات المنتخبة، والقطاعات الحكومية، إلى جانب الأجهزة الأمنية التي تضطلع بدورها في حماية المواطنين وتطبيق القانون.
فالعمل الأمني يظل ضرورياً ولا غنى عنه، لكنه وحده لا يكفي لمعالجة جذور الظاهرة. فالمقاربة الزجرية تعالج النتائج، بينما الوقاية تبدأ من محاربة الأسباب. ومن هنا تبرز مسؤولية المجالس المنتخبة والفاعلين المحليين في جعل ملف الشباب أولوية حقيقية، عبر توفير فضاءات القرب، ودعم المبادرات الثقافية والرياضية، وتشجيع الاستثمار وخلق فرص الإدماج الاقتصادي.
إن سيدي بنور اليوم في حاجة إلى الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع المشاكل إلى منطق الوقاية والاستباق. فالرهان الحقيقي ليس فقط توقيف المنحرفين، بل حماية الشباب قبل وصولهم إلى مرحلة الانحراف.
الأمن الحقيقي لا يبنى فقط بالدوريات والحملات الأمنية، بل يبنى أيضاً بمدرسة قوية، وأسرة مؤطرة، وفضاءات رياضية وثقافية مفتوحة، وفرص شغل تحفظ كرامة الشباب وتمنحهم الثقة في المستقبل.
فحين نهتم بالعقول قبل أن نضطر إلى محاسبة الأيادي، نكون قد اخترنا الطريق الصحيح لبناء مدينة آمنة ومتوازنة.






