مع انتخابات 2003 دخلت الجديدة مرحلة سياسية مختلفة. انتهى عهد أحمد فيصل القادري، وبرز اسم عبد اللطيف التومي رئيساً جديداً للمجلس البلدي، في واحدة من أكثر المراحل التي تكشف كيف يمكن لصندوق الاقتراع أن يعطي الأرقام، بينما تتولى التحالفات صناعة الرئيس.
فانتخابات 12 شتنبر 2003 أفرزت مجلساً من 35 عضواً يمثلون 11 حزباً، ولم يتمكن أي حزب من الحصول على أغلبية مريحة. أما القوة الأولى فلم تتجاوز تسعة مقاعد، أي حوالي ربع المجلس.
بمعنى آخر: الجديدة انتخبت مجلساً، ثم تركت لأعضائه مهمة تركيب الأغلبية.
وهنا بدأت الرياضيات البلدية التي لا تُدرّس في المدارس: تسعة زائد كذا، ناقص خصم، زائد حليف الأمس، يساوي كرسياً للرئاسة!
التومي… لم يكن وافداً جديداً
عبد اللطيف التومي لم يدخل السياسة المحلية سنة 2003 من بابها لأول مرة. وتشير دراسة جامعية تناولت التمثيلية السياسية للمجلس البلدي إلى أنه كان عضواً بالمجلس منذ سنة 1983، وتنقل خلال مساره بين أكثر من انتماء حزبي.
وخاض انتخابات 2003 تحت لواء الحركة الوطنية الشعبية التي تصدرت نتائج المدينة بتسعة مقاعد، واستطاع عبر التحالفات الوصول إلى رئاسة المجلس. وتشير المصادر نفسها إلى أنه عاد لاحقاً إلى حزب الاستقلال في سياق الانتخابات التشريعية.
وهكذا وصل الرجل إلى الرئاسة بعد تجربة طويلة داخل دهاليز المجلس، وكان يعرف جيداً أن تدبير بلدية الجديدة لا يحتاج فقط إلى برنامج، بل إلى القدرة على تدبير مجلس متعدد الأحزاب والمصالح والحسابات.
الجديدة كانت تكبر، ومشاكلها تكبر معها
كانت المدينة في بداية الألفية تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً. أحياء جديدة، ضغط أكبر على الطرق والتطهير والنظافة والإنارة والمرافق، وتزايد مستمر في مطالب السكان.
ولذلك لم يعد ممكناً تدبير الجديدة بعقلية مدينة صغيرة.
كان المطلوب أن تتحول الجماعة من إدارة تتعامل مع المشاكل اليومية إلى مؤسسة تخطط لمدينة تتوسع بسرعة.
لكن المشكلة التي سترافق الجديدة طويلاً بدأت تترسخ آنذاك:
العمارات تصل قبل الطرق، والسكان يصلون قبل المرافق، والمشاكل تصل دائماً قبل الحلول.
مجلس متعدد الألوان ، قليل الانسجام
الدراسة التي تناولت مجلس 2003 وصفته صراحة بأنه مجلس يفتقد إلى الانسجام، وهو أمر مفهوم أمام وجود 11 حزباً داخل 35 مقعداً وعدم توفر أي طرف على أغلبية واضحة.
وهنا تظهر إحدى المعضلات القديمة في التدبير الجماعي: رئيس البلدية لا يدبر المدينة وحدها، بل عليه أحياناً أن يقضي جزءاً كبيراً من وقته في تدبير أغلبيته.
يرضي هذا، ويحتوي ذاك، ويتفاوض مع ثالث، ويحاول ألا يستيقظ صباحاً ليجد أن حليف الأمس أصبح معارض اليوم.
فتصبح المحافظة على الأغلبية أحياناً مشروعاً قائماً بذاته، بينما تنتظر المدينة مشاريعها الحقيقية.
نهاية لم تكن هادئة
لم يُكمل عبد اللطيف التومي ولايته إلى نهايتها، وتولى جمال بنربيعة رئاسة المجلس بعده، قبل انتخابات 2009. وتؤكد المصادر المحلية أن فترة التومي الرئاسية كانت ضمن الولاية الممتدة من 2003 إلى 2009، لكنها انتهت قبل نهايتها.
ثم عادت ملفات تلك المرحلة لاحقاً إلى الواجهة بعد تقرير للمجلس الجهوي للحسابات تناول تدبير الجماعة خلال جزء من تلك الفترة، وتحولت بعض الوقائع إلى مسار قضائي طويل. ومن الضروري هنا، عند كتابة التاريخ المحلي، التمييز بين الملاحظات الرقابية والاتهامات والأحكام القضائية ومراحل الطعن، خصوصاً أن الملف عرف تطورات قضائية امتدت سنوات طويلة.
ماذا بقي من تجربة التومي؟
ليس من الإنصاف اختزال ولاية كاملة في نهايتها السياسية أو في الملفات القضائية التي ظهرت بعدها، كما لا يصح أن نكتب تاريخ المجالس البلدية وكأنه سجل لتعداد الرؤساء فقط.
السؤال الذي يعنينا في هذه السلسلة أبسط وأصعب:
ماذا أضاف كل مجلس إلى الجديدة؟
عبد اللطيف التومي كان محامياً وبرلمانياً ومنتخباً محلياً ذا تجربة طويلة، ووصل إلى الرئاسة في مجلس شديد التشتت.
لكن تجربته كشفت أيضاً مرضاً سيصبح مزمناً في السياسة المحلية: هشاشة الأغلبيات وكثرة الترحال والتحالفات التي قد تجعل تدبير المجلس أصعب من تدبير المدينة نفسها.
وفي النهاية غادر التومي الرئاسة، وجاء جمال بنربيعة.
تغير الرئيس مرة أخرى، وتغيرت الأغلبية، وربما تغيرت الكراسي والمكاتب
لكن الجديدة بقيت في مكانها تنتظر.
فالمدينة لا تسأل رئيسها عن عدد حلفائه، ولا عن عدد الأصوات التي أوصلته إلى الكرسي.
المدينة تسأله فقط: ماذا تركت وراءك؟
شارعاً؟ حديقة؟ مشروعاً؟ مرفقاً؟ رؤية للمستقبل؟
وهكذا انتهت مرحلة عبد اللطيف التومي قبل نهاية الولاية، وبدأ فصل جديد مع جمال بنربيعة.
وتلك ستكون حكاية الحلقة الثامنة






