لم يغادر جمال بنربيعة كرسي الرئاسة بعد انتخابات 8 شتنبر 2021، بل خلف نفسه على رأس جماعة الجديدة لولاية ثانية متتالية، حاملاً مرة أخرى رمز الميزان عن حزب الاستقلال.
لكن الطريق إلى الرئاسة هذه المرة لم يكن طريق حزب واحد، بل طريق تحالف واسع جمع تسعة أحزاب، في واحدة من أكثر التركيبات السياسية تنوعاً داخل المجلس الجماعي للمدينة.
فقد تشكلت أغلبية من 24 مستشاراً دعمت بنربيعة، وضمت الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي وجبهة القوى الديمقراطية والوحدة والديمقراطية، إلى جانب مكونات أخرى من التحالف.
وفي 20 شتنبر 2021، انتخب جمال بنربيعة رئيساً بحصوله على 24 صوتاً من أصل 39، مقابل 10 أصوات لمنافسه يوسف بيازيد عن حزب التقدم والاشتراكية، مع امتناع أربعة أعضاء وغياب عضو واحد.
وهكذا دخل بنربيعة ولايته الثانية بأغلبية مريحة على الورق.
أما مكتب المجلس، فقد عكس بدوره هندسة التحالف: رفيق بناصر نائباً أول عن التجمع الوطني للأحرار، وعبد الحق مهذب نائباً ثانياً عن الأصالة والمعاصرة، وعبد الإله بلكحل ثالثاً عن الاتحاد الدستوري، والمصطفى الماحي رابعاً عن جبهة القوى الديمقراطية، وعلي شيبوب خامساً عن الاتحاد الاشتراكي، وسميرة نصيف سادسة عن حزب الاستقلال.
ولاية البرامج الكبيرة
دخل المجلس الجديد وهو مطالب باستكمال ملفات قديمة وفتح أخرى جديدة.
وفي سنة 2023 صادق على برنامج عمل جماعة الجديدة 2022–2027، بعدما شرعت الجماعة في إعداده سنة 2022 عبر لقاءات تشاورية شارك فيها منتخبون ومصالح خارجية وفعاليات من المجتمع المدني.
وعادت إلى الواجهة الملفات التي يعرفها الجديديون منذ سنوات: الطرق، والإنارة العمومية، والنظافة، وتأهيل المرافق الجماعية، والفضاءات الخضراء، والمشروع القديم الجديد للمنتزه الكبير.
وبخصوص هذا المنتزه، ظل المشروع يطارد المجالس المتعاقبة، وفي 2024 تحدث بنربيعة عن معالجة إشكال العقار وتخصيص فائض مالي لاقتناء الأراضي الضرورية لإخراجه إلى الوجود، كما تحدث عن تعثر مشروع تحديث شبكة الإنارة العمومية.
لكن المدينة لا تعيش بالبرامج وحدها.
فالبرنامج شيء، وما يراه المواطن عندما يفتح باب منزله شيء آخر.
النظافة والمطرح… الأزمة التي وصلت إلى الحاوية
كان ملف النظافة من أكثر الملفات التي أثارت الجدل خلال هذه الولاية.
عرفت المدينة فترات من تراكم النفايات وتأخر جمعها، وارتبط جزء من الأزمة أيضاً بإشكالية مطرح سعد الذراع وإغلاقه، وهو ما انعكس على عملية تدبير النفايات. كما وصلت الخلافات حول تنفيذ الالتزامات التعاقدية إلى فرض غرامات على الشركة المفوض لها تدبير القطاع، قبل دخول عقد جديد وأسطول جديد للخدمة سنة 2025.
وفي مارس 2025، وصلت شكاوى تدهور النظافة إلى لقاء بين فيدرالية جمعيات الأحياء السكنية ورئيس الجماعة ومسؤولي الشركة، حيث أثيرت قضايا تراكم النفايات، وعدد الحاويات ومواقعها وغسلها وتعقيمها ومدى احترام دفتر التحملات.
وطالبت المعارضة بدورها بمناقشة ملف النظافة والتدقيق في تدبيره، وهي مواقف تظل انتقادات سياسية صادرة عن المعارضة ولا يمكن تقديمها وحدها باعتبارها حكماً نهائياً على حصيلة المجلس.
لكن المواطن، في النهاية، لا يعرف كثيراً عن دفتر التحملات.
هو يعرف الحاوية عندما تمتلئ أمام منزله، ويعرف الرائحة عندما تصل إلى نافذته.
والنقل… مدينة تنتظر الحافلة
ولم تكن النظافة وحدها مصدر الجدل.
فالنقل الحضري تحول بدوره إلى واحد من الملفات الثقيلة، خصوصاً مع توقفات الحافلات وما رافقها من احتجاجات مرتبطة بتأخر مستحقات السائقين والمراقبين والعمال.
وفي يوليوز 2026 وصل الأمر إلى توقف الخدمة، قبل أن تحتضن عمالة الإقليم اجتماعاً انتهى إلى استئناف الحافلات لعملها بعد معالجة أسباب الاحتقان.
كما أقرت وزارة الداخلية بوجود إكراهات في القطاع، وتحدثت عن إدخال حافلات إضافية وعن تأخر دخول بعضها إلى الخدمة، فيما يرتقب انتهاء العقد الحالي سنة 2028.
وهكذا وجد المواطن نفسه أمام مفارقة أخرى:
مدينة تتحدث عن برامج التأهيل والاستثمار، ومواطن قد يبدأ يومه بسؤال أبسط بكثير:
هل ستمر الحافلة اليوم أم لا؟
الإكراهات… شماعة أم واقع؟
لا يمكن، في المقابل، تحميل المجلس وحده مسؤولية كل ملفات المدينة.
فالجماعة تتحرك داخل شبكة معقدة من المتدخلين: وزارة الداخلية، والعمالة، والجهة، ومجموعات الجماعات الترابية، وشركات التدبير المفوض، والمصالح الخارجية، إضافة إلى مشاكل العقار والتمويل والمساطر الإدارية.
وأزمة النقل نفسها أظهرت تعدد المتدخلين، كما أن أزمة المطرح والنفايات تجاوزت في جوانب منها الحدود الإدارية للجماعة.
لكن هنا تكمن مفارقة الولاية الثانية:
رئيس بأغلبية واسعة، وتحالف من تسعة أحزاب، وبرنامج عمل مليء بالمشاريع… وفي المقابل ظل جزء من الساكنة يسأل:
أين أثر كل ذلك في حياتنا اليومية؟
فالناخب لا يقرأ برنامج العمل كل صباح، ولا يسأل عن رقم الاتفاقية ولا عن عدد الاجتماعات.
هو يرى الرصيف أمام منزله، والحفرة في شارعه، والحاوية الممتلئة، والإنارة، والحافلة التي تأتي أو لا تأتي، والحديقة التي وُعد بها.
وبين ما كُتب في البرامج وما أُنجز فوق الأرض، ستُقاس في النهاية حصيلة الولاية الثانية لجمال بنربيعة.
أما الجواب عن سؤال النجاح أو الإخفاق، فنتركه للجديديين أنفسهم؛ فهم من عاشوا هذه الولاية، وهم من يملكون حق تقييمها.
وفي الحلقة المقبلة، نقترب من نهاية هذه السلسلة، ونضع المجالس المتعاقبة كلها أمام سؤال واحد بسيط:
من أول مجلس منتخب إلى مجلس اليوم، ماذا تغيّر فعلاً في الجديدة، وماذا بقي كما كان وماذا تدهور
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






