الحلقة الثالثة:
الدكتور عبد الكريم الخطيب… بين رئاسة البرلمان ورئاسة بلدية الجديدة
ينحدر الدكتور عبد الكريم الخطيب من أسرة ذات أصول جزائرية تعود إلى مدينة معسكر، لكنه وُلد ونشأ بمدينة الجديدة سنة 1921، فكان ابنًا لها بالميلاد والانتماء.
كان والده، الحاج عمر الخطيب، مترجمًا إداريًا رفيعًا لدى الإدارة المغربية والفرنسية خلال فترة الحماية، بينما تنحدر والدته، مريم الكباص، من أسرة فاسية عريقة، فهي ابنة الحاج محمد الكباص الذي شغل منصب الصدر الأعظم في عهد السلطان مولاي يوسف. وقد هيأت له هذه البيئة، التي جمعت بين الإدارة والعلم وخدمة الدولة، تكوينًا مبكرًا جعله من أبرز رجال المغرب بعد الاستقلال.
ولا يزال اسم أسرة الكباص حاضرًا في ذاكرة الجديديين من خلال درب الكباص الذي كانت تقطنه الأسرة وأصهارها، كما بقي اسم الخطيب مرتبطًا بمقبرة الخطيب، وهي من المعالم التي تذكر أبناء المدينة بهذه الأسرة.
وإذا كان الحاج موسى سعيد قد مثّل مرحلة مغربة الإدارة المحلية، فإن الدكتور عبد الكريم الخطيب مثّل مرحلة مختلفة تمامًا؛ إذ أصبح سنة 1963 أول رئيس لمجلس النواب في المغرب المستقل، وفي الوقت نفسه رئيسًا للمجلس البلدي لمدينة الجديدة.
لم يكن الخطيب رجلًا عاديًا؛ فقد كان طبيبًا ومقاومًا ووزيرًا ورجل دولة، ومن أبرز المساهمين في بناء المؤسسات الدستورية للمغرب. غير أن رئاسته للبرلمان جاءت في ظرف سياسي بالغ التعقيد، اتسم بالصراع بين الحكومة والمعارضة، وكثرة ملتمسات الرقابة، وانتهى بإعلان حالة الاستثناء سنة 1965 وحل البرلمان.
وفي تلك الأثناء، كان يرأس أيضًا المجلس البلدي للجديدة، المدينة التي كان من المفترض أن تكون أول المستفيدين من وجود أحد أقوى رجال الدولة على رأسها.
لكن التاريخ يسجل مفارقة لافتة.
فالجديدة كانت تتوفر على كل مقومات الحاضرة الكبرى: ميناء، وشريط ساحلي، وأراضٍ فلاحية خصبة، وموقع استراتيجي بين الدار البيضاء وآسفي، وتراث تاريخي عالمي. وكانت فوق ذلك تملك رئيسًا يجلس على كرسي رئاسة أول برلمان مغربي. ومع ذلك، لم تتحول إلى القاطرة التنموية التي كان أبناؤها يحلمون بها.
قد يُقال إن الجماعات المحلية كانت محدودة الصلاحيات، وإن القرار كان مركزيًا، وإن الدولة كانت منشغلة ببناء مؤسساتها. وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضًا أن النفوذ السياسي كثيرًا ما يفتح الأبواب، ويجلب المشاريع، ويمنح المدن أولوية في التخطيط والاستثمار.
وهنا يظل السؤال مشروعًا: لماذا لم تستثمر الجديدة تلك اللحظة التاريخية؟
لقد دخل عبد الكريم الخطيب التاريخ الوطني من بابه الواسع، لكن الجديدة لم تدخل معه التاريخ العمراني بالزخم نفسه. فلا نجد مشروعًا كبيرًا ارتبط باسمه في ذاكرة المدينة، ولا نهضة عمرانية جعلت المؤرخ يقول: هنا ترك أول رئيس لمجلس النواب المغربي بصمته.
وربما تكمن العبرة في أن المدينة لا يكفيها أن يرأسها رجل دولة كبير، بل تحتاج إلى من يجعلها مشروعه الأول، لا منصبًا إضافيًا في مسار وطني.
لقد ربح المغرب قامة سياسية اسمها عبد الكريم الخطيب، لكن الجديدة، بكل أسف، لم تربح من تلك القامة ما كان يوازي حجمها وإمكاناتها.
ولعلها كانت أول فرصة ضاعت على المدينة لتتحول إلى حاضرة كبرى. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت المجالس، وتغير الرؤساء، وبقي السؤال نفسه يتردد: كم مرة مرت الجديدة بجوار التاريخ، دون أن تصنعه
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي






