بقلم/ سيداتي بيدا
ليست كل الانتصارات تقاس بعدد الأهداف، فبعضها يُقاس بقدرة الأمم على الوقوف عندما تقترب من السقوط. وهذا تماماً ما فعله المنتخب المغربي أمام هولندا في كأس العالم 2026؛ إذ لم يكن التأهل مجرد نتيجة رياضية، بل بياناً كروياً جديداً يؤكد أن المغرب لم يعد يطرق أبواب الكبار، بل أصبح أحد سكانها الدائمين.
حين تأخر أسود الأطلس حتى اللحظات الأخيرة، بدا المشهد وكأنه يسير نحو نهاية قاسية، غير أن المنتخبات العظيمة لا تُعرّف بظروفها، بل بردة فعلها أمام الأزمات. وفي لحظة اختلط فيها الضغط بالإيمان، ولد هدف التعادل، قبل أن تتحول ركلات الترجيح إلى مسرح لإرادة لا تعرف الانكسار، فكان الانتصار تتويجاً لشخصية صنعتها سنوات من العمل والانضباط، لا دقائق من الحظ.
لقد تجاوز المغرب مرحلة البحث عن المفاجآت. فمنذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر، بدأ مشروع كروي متكامل يقوم على التخطيط، والاستقرار، والثقة في الكفاءات الوطنية، حتى أصبحت الشخصية المغربية داخل الملعب أكثر نضجاً وصلابة، وأكثر قدرة على منافسة أعرق مدارس كرة القدم في العالم دون رهبة أو تردد.
واللافت أن هذا المنتخب لا ينتصر بالمهارة وحدها، بل بعقلية جماعية جعلت من كل لاعب مشروع قائد، ومن كل دقيقة فرصة جديدة للقتال. لذلك لم يكن إسقاط منتخب بحجم هولندا حدثاً استثنائياً، بل امتداداً لمسار يؤكد أن المغرب بات يمتلك هوية كروية واضحة، عنوانها الإيمان، والانضباط، والقدرة على قلب أكثر السيناريوهات تعقيداً.
ويبقى التحدي المقبل أمام كندا محطة جديدة لا تقبل الاسترخاء. فالأدوار الإقصائية لا تعترف بالأمجاد السابقة، وإنما تكافئ من يحافظ على الجوع ذاته والطموح نفسه. غير أن ما زرعه أسود الأطلس في قلوب المغاربة يتجاوز حدود مباراة أو بطولة؛ لقد أعادوا ترسيخ ثقافة الانتصار، وأثبتوا أن المنافسة على الألقاب لم تعد حلماً رومانسياً، بل هدفاً مشروعاً تفرضه الوقائع قبل الأمنيات.
لقد أصبح المنتخب المغربي مدرسة في الصمود قبل أن يكون فريقاً لكرة القدم. ومن رحم المعاناة، ووسط ضجيج الشكوك، يواصل كتابة واحدة من أكثر الحكايات إلهاماً في تاريخ المونديال. وإذا بقيت هذه الروح مشتعلة، فإن الطريق إلى المجد لن يكون مستحيلاً، لأن التاريخ لا يخلّد أصحاب المواهب فقط، بل يفتح صفحاته لأولئك الذين يرفضون الاستسلام حتى آخر صافرة.






